المطلب الثاني
شيوخه وتلاميذه
شيوخ أبي حنيفة:
نشأ أبو حنيفة في بيئة علمية ممتازة، مشحونة بكثير من العلماء في مختلف العلوم الإسلامية. ولا ريب أن أبا حنيفة قد جالس علماء عصره فأخذ عنهم، وتتلمذ عليهم، وألم بمناهج بحثهم، ثم اصطفى من بينهم فقيهًا لازمه ملازمة تامة حيث وجد فيه ما يرضى نزوعه العلمي ومشربه العقلي، وهذا الفقيه هو حماد بن أبي سليمان الذي انتهت إليه مشيخة الفقه العراقي في عصره. و إلى ذلك يشير أبو حنيفة بقوله:"كنت في معدن العلم والفقه فجالست أهله، ولزمت فقيهًا من فقهائهم".
وقد نشأ حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة بالكوفة، وأخذ الفقه عن إبراهيم النخعي والشعبي، وهذان الفقيهان الكبيران تلقيا الفقه عن شريح وعلقمة بن قيس ومسروق بن الأجدع. وقد أخذ أولئك الفقه عن الصحابيين الجليلين: عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وهما عماد الفقه الكوفي [1] .
وقد لزم أبو حنيفةَ حمادَ بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وأخذ عنه فقه أهل العراق، وهو خلاصة فقه علي وعبد الله بن مسعود، كما تلقى عنه فتاوى إبراهيم النخعي، قال الدهلوي: إن المعين للفقه الحنفي هو أقوال إبراهيم النخعي [2] .
ولم ينقطع الإمام أبو حنيفة عن الدرس والتحصيل بعد وفاة شيخه الكبير حماد بن أبي سليمان سنة 120 هـ، بل تابع سعيه الدءوب في طلب العلم مستصحبًا الأثر القائل:"لا يزال الرجل عالمًا ما دام يطلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل".
ففي مكة أخذ أبو حنيفة علم ابن عباس عن عطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولاه، كما أخذ علم ابن عمر وعلم عمر عن نافع مولى ابن عمر.
وقد نهل أبو حنيفة من علوم أئمة الشيعة فأخذ عنهم ودارسهم غير مقتصر على فقهاء أهل السنة، فقد التقى أبو حنيفة بأئمة الشيعة: زيد بن علي، ومحمد الباقر، وأبي محمد عبدالله بن الحسن، وتتلمذ لهم وأخذ عنهم.
على هذا النحو يمكن أن نقول: إن أبا حنيفة تلقى فقه الجماعة الإسلامية بشتى منازعها، وإن كان قد غلب عليه تفكير أهل الرأي، بل عُدَّ شيخ أهل الرأي غير مدافَعٍ.
تلاميذ أبي حنيفة:
ليس لأبي حنيفة كتاب في الفقه رتب أبوابه وهذّب مادته وعقد نظامه، وهذا أمر يستقيم مع الواقع ويتفق مع روح العصر؛ إذ لم تنتشر حركة التأليف والتصنيف إلا بعد وفاة أبي حنيفة أو في آخر حياته.
(1) ينظر: سير أعلام النبلاء (5/ 231) ، تهذيب التهذيب (3/ 16) .
(2) ينظر: حجة الله البالغة (1/ 146)