ولهذا لو [نزعه] [1] لم تزل المعصية، وهاهنا المعصية بالسفر.
قالوا: لو سافر لأمر مباح، ثم نقله إلى معصية، [جازت] [2] له الرخص؛ فكذلك إذا ابتدأ بالمعصية [3] .
قلنا: لا نُسلِّم الأصل في أصح الوجهين [4] .
ثم سبب الرخص ابتداء السفر؛ ولهذا تعتبر المدة منه، وذلك مباح. وهذا ابتداؤه محظور.
قالوا: العاصي في السفر تجوز له الرخص؛ فكذلك العاصي بالسفر.
قلنا: لأن هناك لا تتعلق الرخصة بالمعصية، وهاهنا تتعلق بالمعصية.
ولأن الرخص هناك لا تصير معونة على المعصية، وهاهنا تصير معونة على المعصية.
قالوا: أكل الميتة فرض عليه؛ فلا يمنع منه سفر المعصية؛ كالتيمم.
قلنا: التيمم فرض عليه لحق الله ـ تعالى ـ؛ فلم يسقط بعصيانه، وأكل الميتة فرض عليه؛ معونة له على سفره؛ فجاز أن يجعل عصيانه سببًا لإسقاطه.
قالوا: لو منع من أكل الميتة لأَعَنَّا على قتله، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقتُلُواْ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحقِّ} [5] قلنا: نقول له: تُبْ وكُلْ [6] ؛ فلا نعين على قتله، فإن لم يتب، كان هو المعين على قتله.
ثم أنتم تعينونه على المعصية، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [7] .
القصر رخصة.
وقال أبو حنيفة: هو واجب [8] .
(1) في المخطوط: (تركه) . والصواب ما أثبته.
(2) ورد في المخطوط (جاز) ولعل الصواب ما أثبته.
(3) ينظر: درر الحكام (1/ 132) .
(4) وأما الجواب عمن أحدث المعصية في سفره وقد أنشأ طائعًا، فليس للشافعي فيه نص، ولأصحابنا فيه: وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي القاسم الداركي، وعزاه لأصحابنا ـ: لا يجوز له أن يترخص كالمنشئ لسفره في معصية؛ فعلى هذا سقط استدلالهم به.
والوجه الثاني ـ وهو قول عامة أصحابنا ـ: يجوز أن يترخص؛ لأن الذي جلب له هذه الرخص إحداث السفر، وإحداثه لم يكن معصية، وفي مسألتنا إحداثه معصية؛ فافترقا في استباحة الرخص. (الحاوي(2/ 486 ) ) .
(5) الأنعام: 151.
(6) وأزيد ذلك وضوحًا فأقول: إذا اضطر إلى أكلها وهو عاصٍ وجب عليه أكلها لإحياء نفسه، غير أنه لا يجوز أن يأكل إلا بعد إحداث التوبة، كما أن من دخل عليه وقت الصلاة وهو محدث، فقد وجب عليه فعل الصلاة، غير أنه لا يجوز له فعلها محدّثًا إلا بعد الطهارة؛ لأنه قادر عليها، كما أن المضطر العاصي قادر على التوبة. (المجموع(2/ 486 ) ) .
(7) المائدة: 2.
(8) ينظر: الأم (1/ 179) ، المجموع (4/ 209) ، روضة الطالبين (1/ 384) ، الحاوي (2/ 453 ـ 458) ، مغني المحتاج (1/ 406) ، بدائع الصنائع (1/ 257، 258) ، المبسوط (1/ 239) ، شرح فتح القدير (2/ 33) ، تحفة الفقهاء (1/ 256) ، الهداية (1/ 31) ، حلية العلماء (2/ 224، 227) ، رؤوس المسائل، ص (173) ، الإفصاح (1/ 110) .