لنا: أن الله ـ تعالى ـ بدأ بالفقراء، والعرب تبدأ بالأهم، فالأهم [1] .
ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر [2] [اللازب] [3] ، وقال: (كَادَ الفَقْرُ أَنْ يَكُوَن كُفْرًا) [4] .
وكان يقول: / (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِين) [5] .
ولأن الفقر مأخوذ من انكسار الفِقَار،
وقيل: من قولهم: فَقَرَتْهُ الفاقِرَة ُ: إذا استأصَلَتْهُ الجائِحَةُ، والمسكين مأخوذ من: السكون والخشوع؛ فكان الفقر أشد [6] .
فإن احتجوا بقوله تعالى {÷ صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم & $ YZ` إ 3 َ، د B #sR 7 pt/u} ّ ItB [7] فوَصَفَ المسكينَ بأنه أَلْصَقَ بطنَهُ بالأرض من الشدة [8] . قلنا: إنما أراد به هاهنا الفقير [9] . واحتجوا: بقول الراعي [10] :
أَمَّا الفَقِيرُ الذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ [11]
فجعل له حلوبة [12] .
قلنا: يحتمل إن سماه: فقيرًا بعد ذهاب الحلوبة؛ ولهذا: قال: كانت حلوبته [13] .
ولأنه يعارضه قول الشاعر:
هَلْ لَكَ فِي أجْرٍ عَظيم تُؤُجَرُهْ ... تُغِيثُ مِسكينًا قَلِيلًا عَسْكَرُه [14]
عَشْرُ شِياهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ
فجعل للمسكين عشر شياهٍ [15] .
لا يجوز لمن يقدر على الكفاية بالكسب أخذ الزكاة.
وقال أبو حنيفة: يجوز [16] .
لنا: قوله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ [سَوِىّ] [17] [18] .
ولأنه قادر على الكفاية على الدوام؛ فلم يأخذ بسهم الفقير؛ كما لو كان له عقارٌ يكفيه.
ولأنه نوع قدره يوجب نفقة الأقارب، أو يسقط نفقته عن الأقارب؛ فأشبه المال [19] .
(1) ينظر: المهذب (1/ 239) .
(2) في الباب عن أبي هريرة. أخرجه أبو داود (1/ 482) ، كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة، حديث (1544) ، النسائي (8/ 261) ، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الذلة، من طريق سعيد بن يسار عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللَّهُمَّ إِني أعوذ بِك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم"، وصحح إسناده الألباني في (الإرواء(3/ 355 ) ) .
(3) ورد في المخطوط (المرَبّ) . ولعل الصواب ما أثبته ليستقيم المعنى. واللازب: الشدة.
(النهاية في غريب الحديث(4/ 248 ) ) .
(4) أبو نعيم في الحلية (3/ 53) ، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 805) ، من طريق يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كاد الفقر أن يكون كفرًا وكاد الحسد أن يغلب القدر) .
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزيد الرقاشي لا يعول على ما يروى.
(5) أخرجه الترمذي (4/ 172) ، كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة، حديث (2352) ، البيهقي (7/ 12) ، كتاب: الصدقات، باب: ما يستدل به على أن الفقير أمس حاجة من المسكين، من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: حديث غريب وفي الباب عن أبي سعيد وعبادة وابن عباس، وصححه الألباني.
(الإرواء(3/ 358 ) ) .
(6) ينظر: الحاوي (10/ 556) وفيه اختلاف الاشتقاق في الفقر والمسكنة.
(7) البلد: 16.
(8) ينظر: بدائع الصنائع (2/ 150) ، تبيين الحقائق (1/ 297) .
(9) قال الماوردي: وأما الجواب عن قوله تعالى: {÷ صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم & $ YZ` إ 3 َ، د B #sR 7 pt/u} ّ ItB البلد:16، فهو أن المراد بالمسكين هاهنا الفقير؛ لأنه لم يطلق ذكره، ولكن قيده بصفات الفقراء، وقد يطلق اسم المسكين على الفقير كما ذكرنا، وإنما كلامنا في المسكين الذي قد أطلقت صفته.
(الحاوي(10/ 557 ) ) .
(10) عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، أبو جندل شاعر من فحول المحدثين، كان من جلة قومه، ولقب بالراعي لكثرة وصفه بالإبل، عاصر جريرًا والفرزدق، توفي سنة (90 هـ) تسعين.
(الأغاني(20/ 168) ، خزانة الأدب (1/ 504 ) ) .
(11) السبد: ما يطلع من رؤوس النبات قبل أن ينتشر وهو بمعنى ما له قليل ولا كثير. (المعجم الوسيط(2/ 413) ، المخصص (12/ 285) ، الدر المصون (1/ 278 ) ) .
(12) ينظر: بدائع الصنائع (2/ 150) ، تبيين الحقائق (1/ 297) .
(13) وأما الشعر فلا دليل فيه؛ لأنه بعد أخذ الحلوبة سماه فقيرًا حين لم يترك له سبد.
(14) الرجز بلا نسبة (لسان العرب(4/ 2945) ، تهذيب اللغة (3/ 303) ، تاج العروس (13/ 39) ، الزاهر، ص (189 ) ) .
(15) ينظر: الحاوي (10/ 557) .
(16) ينظر: المجموع (6/ 221) ، روضة الطالبين (2/ 202، 203) ، العزيز (3/ 377) ، الجوهرة النيرة (2/ 169) ، الحاوي (10/ 557) ، بدائع الصنائع (2/ 159) ، درر الحكام (1/ 18) ، الفتاوى الهندية (1/ 189) ، حلية العلماء (3/ 151) .
(17) ورد في المخطوط (قوي) . ولعل الصواب ما أثبته من كتب الحديث. (سنن أبي داود، الترمذي، مسند أحمد)
(18) أخرجه أبو داود (1/ 514) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة، حديث (1634) ، الترمذي (2/ 35) ، أبواب: الزكاة، باب: من لا تحل له الصدقة، حديث (652) ، أحمد (2/ 163، 192)
وقال الحافظ في تلخيص الحبير (3/ 108) إسناده حسن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وصححه الألباني.
(إرواء الغليل(3/ 381 ) ) .
(19) ينظر: الحاوي (10/ 559) .