فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 511

المطلب الثاني

الغاية من تأليف المخطوط

إن حكمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ قاضية بوجود الاختلاف في الأشياء، سواء أكان هذا الاختلاف كونيًّا أم بشريًّا.

كذلك وقع الاختلاف على مستوى الأفكار والعلوم النظرية، وليس الاختلاف فيها اختلاف تضارب وتناقض، بل هو اختلاف رحمة وتوسعة على الناس، وأكبر مثال يوضح أن الخلاف قد يكون رحمة للناس: الخلاف الفقهي، يقول الإمام محمد أبو زهرة: لم يكن الاختلاف الواقع بين الصحابة والتابعين متناولًا لُبَّ الدين، فلم يكن في وحدانية الله تعالى، وشهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى، ولا في أنه يُرْوَى بطريق متواتر نقلته الأجيال الإسلامية كلها جيلًا بعد جيل، ولا في أصول الفرائض كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم، ولا في طريق أداء هذه التكليفات، وبعبارة عامة: لم يكن خلافًا في ركن من أركان الإسلام ولا في أمر علم من الدين بالضرورة: كتحريم الخمر والخنزير وأكل الميتة، والقواعد العامة للميراث، وإنما الاختلاف في أمور لا تمس الأركان ولا الأصول العامة.

وهذا الاختلاف له أسبابه، فقد يكون مرده إلى أنه أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين؛ فلكلٍّ اجتهاده، وهذا كله فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع.

وعلى هذا فالخلاف بينهم له أسبابه الجدية المتمثلة في اختلافهم في الأدلة التي يستندون إليها، وليس خلافًا لمجرد الهوى؛ فحاشا لله أن يختلفوا في شيء من ذلك؛ فالاختلاف الحاصل في فروع التشريع وسيلة لتنشيط العقل وتوسيع مداركه، وبعدًا له عن التعصب الذي هو وبال على الفكر الإسلامي، بل إن الاختلاف في مسألة من المسائل قد يكون له وجاهته حيث ينطوي على تيسير في تناول الأحكام الشرعية، ومن هنا شاع قولهم: الاختلاف رحمة [1] .

وقد آمن الشيرازي أن الاختلاف الفقهي بين المذاهب سنة إلهية لا تتخلف، لا نكران فيها، فحاول في كتابه"النكت"حصر مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية مشفوعة بأدلة الفريقين؛ حتى ينجلي الأمر للمسلمين، فيختاروا من الأحكام الأقوى دليلًا والأرجح رأيًا، للتوسيع على الناس، ورفع الحرج والتضييق عنهم.

وقد بين الشيرازي سبب تأليفه للكتاب فقال في المخطوط ذاته في اللوح (4 / أ) قوله:"سألني"

(1) ينظر: تاريخ المذاهب الإسلامية بتصرف، ص (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت