تتغير بالإعسار [1] كما تتشطر الصلاة بالأسفار، ثم لا يعتبر حال الوجوب. ثم الحد عقوبة؛ فغلب فيها ما يؤدي إلى النقصان، وهذه عبادة؛ فغلّب فيها ما يؤدى إلى الكمال.
إذا ائتم مسافر بمقيم، ثم أفسد صلاته، لزمه الإتمام.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه [2] .
لنا: أنها صلاة تعيَّن عليه إتمامها؛ فلم يجز له قصرها؛ كما لو فاتته في الحضر، ثم سافر [3] .
قالوا: من لزمه فرض بمتابعة الإمام إذا قطع المتابعة / رجع إلى فرض الانفراد؛ كمن دخل في الجمعة، ثم أفسدها [4] .
قلنا: الجمعة لا يمكن قضاؤها، وهذا فرض يمكن قضاؤه [5] ؛فلم يسقط بإفسادها؛ كحج التطوع.
34 ـ مسألة: [استخلاف المسافر لمقيم في إمامة مسافر]
إذا صلى مسافر بمسافر ومقيمٍ، ثم سبقه الحدث، فاستخلف [6] المقيمَ ـ لزم المأمومَ المسافرَ الإتمامُ.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه [7] .
لنا: أنه ائتم بمقيم؛ فلا يقصر؛ كما لو ائتم بمقيم، فأحدث، فاستخلف مسافرًا [8] .
قالوا: الثاني خليفة الأول في ترتيب الصلاة؛ فالمقتدى به كالمقتدي بالأول [9] .
قلنا: هو كالمقتدي بالأول في الترتيب، وهو مُقْتَدٍ بالثاني في حكم سهوه، وبطلان صلاته لأجله؛ فوجب أن يغلب الإتمام؛ كما لو أحرم المسافر بالصلاة ثم أقام، والمقيم إذا أحرم ثم سافر.
35 ـ مسألة: [أقل مدة الإقامة]
أقل مدة الإقامة أربعة أيام.
وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يومًا [10] .
لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على المهاجرين [11] الإقامة بمكة [12] ، ثم رخص لمن قدم منهم أن
(1) الإعسار: مصدر أعسر، والعسرة: اسم المصدر، وفي التنزيل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} البقرة:280
والعُسرة: قلة ذات اليد، والعُسر ـ بالضم وبضمتين وبالتحريك ـ من الإعسار ضد اليسر، وهو الضيق والشدة والصعوبة.
وقد يعبر الفقهاء عن الإعسار بالإفلاس والعكس، إلا أنه يغلب استعمالهم لكلمة الإعسار عند الكلام عن العجز عن أداء الحقوق المالية التي أوجبها الله ـ سبحانه ـ على الإنسان، عبادة كانت كزكاة المال والفطر، أو عقوبة كالكفارة والدية والجزية، أو عوضًا عن غير مال كنفقة الأقارب والصداق.
(لسان العرب(4/ 2939) ، ترتيب القاموس المحيط (3/ 222 ) ) .
ويشترط لوجوب الكفارات مالية كانت أو بدنية القدرة على أدائها؛ فالمعسر وهو هنا الذي لا يكون له فضل مال عن كفايته، فلا يجب عليه التكفير، وليس المراد من عدم وجوبها على المعسر يسقط عنه أداؤها مطلقًا؛ بل المراد: أن يتأخر و جوبها عليه طوال فترة إعساره إلى أن يقدر على أداء الكفارة؛ ولأن إيجاب الفعل في الحال على العاجز عنه محال. والوقت المعتبر في إعسار المكفِّر ويساره بذلك هو وقت أداء الكفارة لا وقت وجوبها عليه؛ لأن الكفارة عبادة لها بدل ومُبْدَل فيعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب.
وعند الشافعية إن أعسر المكفر فهو على التخيير في الكفارة.
والمعتبر في إعساره ـ على أظهر الأقوال ـ هو وقت الأداء للكفارة ولو بعد وجوبها عليه بمدة طويلة لا وقت الوجوب لها، فلو كان معسرًا حالة وجوب الكفارة عليه بالقتل مثلًا ثم أيسر عند أدائها، فالواجب عليه الإعتاق، ولو تكلف الإعتاق وهو معسر بقرض أو غيره أجزأه.
(أسنى المطالب(3/ 368) ، حاشية الجمل (4/ 414) ، حاشية البجيرمي (4/ 16 ) ) .
(2) ينظر: أسنى المطالب (1/ 240) ، شرح البهجة (1/ 467) ، الأم (1/ 181) ، المجموع (4/ 235) ، مغني المحتاج (1/ 404) ، الحاوي (1/ 479) ، تبيين الحقائق (1/ 213) ، بدائع الصنائع (1/ 278) ، درر الحكام (1/ 134) ، البحر الرائق (2/ 145) ، المبسوط (1/ 248) ، حلية العلماء (2/ 232) .
(3) ينظر: الحاوي (2/ 479) ، الدرة المضيئة (1/ 192) .
(4) ينظر: بدائع الصنائع (1/ 278) ، الدرة المضيئة (1/ 192) .
(5) ينظر: الدرة المضيئة (1/ 192) .
(6) استَخلَفَ فلانًا من فلان: جعله مكانه، وخلف فلان فلانًا: إذا كان خليفته، وفي التنزيل: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَومِي} الأعراف:142.
ولا يخرج معنى الاستخلاف في اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي، فهم يستعملونه في جعل الشخص غيره مكانه في عمل يجوز فيه. (لسان العرب(2/ 1235) ، تاج العروس (23/ 267) ، المبسوط (1/ 169) ، مغني المحتاج (1/ 293 ) ) .
(7) ينظر: أسنى المطالب (1/ 241) ، شرح البهجة (1/ 466) ، نهاية المحتاج (2/ 266) ، الأم (1/ 181) ، المجموع (4/ 236) ، مغني المحتاج (1/ 404) ، الحاوي (2/ 384) ، تبيين الحقائق (1/ 213) ، شرح فتح القدير (2/ 38) ، درر الحكام (1/ 134) ، م. خ التجريد. ل: (48/ب) ، بدائع الصنائع (1/ 531) ،
(8) ينظر: شرح البهجة (1/ 466) .
(9) ينظر: بدائع الصنائع (1/ 531) .
(10) ينظر: الأم (1/ 186) ، المجموع (4/ 241) ، فتح الوهاب (1/ 69) ، الأوسط في السنة والإجماع والاختلاف (4/ 346) ، مغني المحتاج (1/ 398، 399) ، الحاوي (2/ 464) ، الأصل (1/ 275) ، المبسوط (2/ 236) ، الهداية ومعه شرح فتح القدير (2/ 34) ، تحفة الفقهاء (1/ 257) ، الحجة على أهل المدينة (1/ 168) ، بدائع الصنائع (1/ 269) ، حلية العلماء (2/ 233) ، مختصر اختلاف العلماء (1/ 359) ، رؤوس المسائل، ص (175) ، الدرة المضيئة (1/ 192، 193) ، اختلاف العلماء، ص (45) .
(11) المُهَاجَرة: عبارة عن الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومنه الهجرة من مكة إلى المدينة. فالهجرة والمهاجرة غلبتا في ذلك وإن كان أصلها مفارقة الغير ومتاركته. (عمدة الحفاظ(4/ 280 ) ) .
(12) ينظر: الحاوي (2/ 465) ، المجموع (4/ 239) .