فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 511

المطلب الثاني

الحالة الاجتماعية

الفرد جزء من المجتمع فيه ينشأ ومنه يتعلم، وعلى تقاليده وقيمه يتربى؛ فلا ريب أن الحالة الاجتماعية لها دورها الخطير والفاعل في تنمية قدرات كل شخص وتحديد اتجاهاته وأفكاره.

والناظر إلى المجتمع الإسلامي في تلك الحقب الزمنية التي عاشها الشيرازي يلحظ أن هناك ثلاث طبقات متمايزة في هذا المجتمع [1] :

أما الطبقة الأولى: فهي طبقة كبار رجال الدولة من الخلفاء والوزراء والقُوَّاد والولاة، وهؤلاء عاشوا في رغد من العيش، فبنوا القصور الفخمة، وظهرت عليهم مظاهر المجون والترف الممقوت، وغرقوا في حياة الدعة والنعيم.

والحق أن هذا لم يكن أمرًا عامًَّا بين جميع أفراد هذه الطبقة، بل وجد منهم بعض النماذج الطيبة [2] .

فالخليفة القادر بالله مثلًا كان يقسم طعامه ثلاثة أقسام: قسم له، وقسم للفقراء، وقسم لمسجدين جامعين من جوامع بغداد.

كما أمر الخليفة القاهر سنة 421 هـ بتحريم القيان والخمر والقبض على المغنيِّين.

كما ظهر عديد من النماذج الأخرى، إلا أنه يبقى أن الأمر الشائع في هذه الطبقة هو حياة المجون والترف.

وأما الطبقة الثانية: فهي الطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها أغلبية الشعب ممثلة في التجار والصناع، ورجال الجيش، وموظفي الدواوين، وهؤلاء أيضًا كانوا يتمتعون بسعة العيش، حتى إن مستوى حياة بعضهم كان يرتفع إلى مستوى حياة الطبقة الأولى [3] .

وأما الطبقة الثالثة: فهي بالطبع الطبقة الدنيا التي يقع عليها عبء توفير سبل الحياة الناعمة لمن فوقهم، وتتمثل هذه الطبقة في أصحاب الحرف الصغيرة، والمزارعين، والخدم، والرقيق، وهؤلاء كانوا يعيشون في فقر وضنك، وهم أكثر الناس تأثرًا بالقلاقل السياسية، فعلى عاتقهم تقع أضرار هذه القلاقل؛ فتنتشر بينهم المجاعات، حتى لا يكادون يجدون القمح والشعير [4] .

ولعل حياة الترف والمجون التي عاشها أهل الطبقتين الأوليين كانت سببًا مباشرًا لظهور الانحلال في الأخلاق واتباع الشهوات، والجهر بالزندقة [5] الذي شاع في هذا العصر.

(1) ينظر: البداية والنهاية (11/ 324) ، الكامل في التاريخ (89) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (4/ 129) وما بعدها.

(2) ينظر: تاريخ الحضارة الإسلامية (2/ 62) .

(3) ينظر: تاريخ الحضارة الإسلامية (2/ 312) .

(4) ينظر: تاريخ الحضارة الإسلامية (2/ 26) ، تاريخ الإسلام السياسي (3/ 50) .

(5) الزندقة: لها عدة معاني تختلف باختلاف العصور، كان العرب يطلقون لفظ زنديق على من ينفي وجود الله سبحانه، وكان يطلق أول الأمر على كل من يتأثر بالفرس في عاداتهم، ويسرف في العبث والمجون ثم صار يطلق بعد ذلك على كل من يتخذ عقائد المانويه شعارًا له، وتوسعوا في العصر العباسي في إطلاق اللفظ فاصبح يطلق على من ينكر الأولوهية. (تاريخ الإسلام السياسي(2/ 115 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت