ورغم قوة الدولة السلجوقية لم يكن الأمر مستتبًا لها في الداخل، وإنما كانت الحروب على قدم وساق بين الإخوة والأشقاء وأبناء العمومة على السلطة [1] والحكم في النهاية للغالب، حيث ترسل الخلع من الخليفة ـ كما هي العادة ـ وتقام له الخطبة، كما حدث لبركياروق حين انتصر على أخيه سنة 497هـ [2] .
وكانت نتيجة هذه الحروب أن عمَّ الفساد، ونُهِبت الأموال، وخُرِّبت البلاد حتى إن خزائن الأموال كانت خالية تمامًا من المال، على أن المال الذي كان يُجبى كان يقسم في نطاق تلك الولاية، ولا يحمل إلى بيت المال المركزي منه شيء، وكان الخلفاء العباسيون يعيشون من اقطاعات مقررة يديرها عمال، على رأسهم الوزير وكاتب الإنشاء كما كانت الحال في أيام بني بويه [3] .
وقد شهد العصر الذي عاش فيه الشيرازي العديد من النزاعات بين الدويلات المنقسمة، إلا أن دولة بني بويه ظلت هي المسيطرة على الخلافة جُلَّ هذه الفترة، فقد قدم بنو بويه بغداد عام 334هـ وظلوا بها حتى عام 447هـ.
وآل الأمر بعد ذلك إلى السلجوقيين فغزوا خرسان والولايات الغربية للدولة الغزونية ثم أملاك بني بويه، ثم العراق ودخلوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وقد قويت دولتهم، وأصبحوا أصحاب الأمر والنهي في بغداد.
والحق أنه لم يكن النزاع السياسي فقط هو سبب التوتر في العلاقة بين البويهيين والخلاقة العباسية، بل ثمة سببٌ أعمقُ وأخطرُ، وهو أن البويهيين قد اعتنقوا المذهب الشيعي، ومن ثم لم يكن لديهم أي باعث ديني يبعثهم أو يحثهم على طاعة الخلفاء العباسيين الذين كانوا يُعْتبرون حماة للمذهب السني في ذلك العصر، على عكس ما كان سائدًا في العصر العباسي الأول؛ حيث مال بعض الخلفاء إلى آراء المعتزلة [4] مثل: المأمون، والمعتصم، والواثق، الذين ذهبوا إلى القول بخلق القرآن، حتى جاء المتوكل، الذي يعد أول خلفاء العصر العباسي الثاني، فنهى الناس عن القول بخلق القرآن، وردهم إلى مذهب أهل السنة. ثم توالت النزاعات حتى دخلت الدولة السلجوقية في أعلى مجدها.
ولكن مع ذلك ظلت الفرق والمذاهب الدينية موجودة.
فهناك المعتزلة الذين ذهبوا إلى القول بخلق القرآن، ونفوا رؤية الله تعالى يوم القيامة، كما نفوا عنه
(1) ينظر: مآثر الأناقة (2/ 25) .
(2) ينظر: الكامل في التاريخ (193، 196، 217) ، مآثر الأناقة (2/ 12ـ13) و بركيا روق بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن سلجوق توفي 498هـ.
(3) ينظر: الكامل (8/ 80) ، ومآثر الأناقة في معالم الخلافة (2/ 238ـ239) ، وتاريخ الإسلام السياسي (4/ 17ـ18) ، تاريخ الأمم الإسلامية (421، 442، 485) .
(4) المعتزلة: فرقة نشأت في العصر الأموي، وانصرفوا إلى العقائد عندما نزل الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، وسموا أنفسهم معتزلة لأنهم اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس ولزموا منازلهم ومساجدهم، ورأس المعتزلة واصل بن عطاء. لهم اصول خمسة"التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
(الفرق والمذاهب القديم. ص175 - 184)