لنا: أنه أخر زكاة واجبة قٌدر على إخراجها؛ فضمنها كما لو طالبه الإمام فَمَنع.
و [لأنها] [1] عبادة يتعلق وجوبها بالمال؛ فلم تسقط بهلاك المال بعد القدرة على أدائها كالحج، وزكاة الفطر.
ولأن الزكاة على الفور، والدليل عليه: أن يأثم بتأخيرها عن مطالبة الآدمي؛ فأثم بتأخيرها عن مطالبة الله ـ تعالى ـ كالمغصوب.
وإذا ثبت هذا: قلنا: مال يضمنه بالجناية؛ فضمنه بالمنع على وجه العداون؛ كالوديعة [2] [3] .
قالوا: مال حَصَلَ في يده بغير عدوان، وهلك من غير فعله من غير مطالبة آدمي؛ فلم يضمن؛
كالوديعة، والعبد الجاني، واللقطة [4] . [5]
قلنا: مطالبة الله ـ تعالى ـ آكد من مطالبة الآدمي؛ لأنه هو المستحق؛ فإذا ضمن بمطالبة الآدمي، فمطالبة الله ـ تعالى ـ أولى، ويخالف الوديعة والعبد الجاني؛ فإن المستحق فيه هو الآدمي، وقد رضي بالترك في يده، وهاهنا المستحق هو الله ـ تعالى ـ وقد أمر بالدفع؛ فهو كالوديعة، والعبد الجاني إذا طُولِب بهما فمنع، وأما اللقطة فغير قادر على ردّها؛ فوزانه من الزكاة: أن يهلك المال قبل الإمكان [6] .
قالوا: ولأن الزكاة تجب على جهة التخفيف؛ ولهذا لا تجب بأدنى ما يؤدي حتى يملك نصابًا ناميًا؛ فيجبر ما نقص منه بما ينمو، فلو ضمن بعد هلاك المال، صار غرمًا ينقص أصل ماله، ولا يلزم إذا طالب به الإمام؛ فإن الخراسانيين [7] قالوا: لا يضمن [8] .
(1) ورد في المخطوط: (لأنه) . ولعل الصواب ما أثبته ليستقيم المعنى.
(2) الوديعة إذا أُقِرَّت في يد الرجل على سبيل الأمانة، يقال: أودعت الرجل وديعة، وسميت: وديعة ـ بالهاء ـ لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة، والمعروف في كلام العرب: أودعت الرجل: إذا استودعته وديعة يحفظها، والإيداع في اللغة: تسليط الغير على الحفظ.
(الزاهر، ص(181، 182) ، تحرير ألفاظ التنبيه، ص (207) ، طلبة الطلبة، ص (176) ، أنيس الفقهاء، ص (248ـ 250 ) ) .
(3) ينظر: الحاوي (4/ 53) .
(4) اللقطة: ما يلتقط، بسكون القاف، والمشهور بفتحها، وأجمع أهل اللغة ورواة الأخبار على أن اللقطة: هو الشيء الملتقط، ويقال لها: لقاطة ـ بالضم ـ ولُقَاطٌ، ولَقَطٌ.
(الزاهر، ص(173) ،تحرير ألفاظ التنبيه، ص (235) ،طلبة الطلبة، ص (166) ، أنيس الفقهاء، ص (188، 189 ) ) .
(5) ينظر: المبسوط (2/ 174) .
(6) ينظر: الحاوي (4/ 53) .
(7) والخراسانيون من أصحاب الإمام الشافعي، وهم أعم من النيسابوريين؛ إذ كل نيسابوري خراساني، ولا ينعكس، وليس الخراسانيون مع نيسابور كالعراقيين مع بغداد؛ فثمّ جمع يفوقون عدد الحصا من خراسان لم يدخلوا نيسابور، بخلاف العراقيين؛ لاتساع بلاد خراسان، وكثرة المدن العامرة فيها، والعلماء بنواحيها؛ إذ من جملتها مرو، وهي المدينة الكبرى، والدار العظمى ومربع العلماء، ومرتع الملوك والوزراء، قد كانت دار الملك لجماعة من سلاطين السلجوقية، ذوي الأيد والعظمة دهرًا طويلًا. والخراسانيون نصف المذهب.
(طبقات الشافعية لابن السبكي(1/ 325، 326 ) ) .
(8) ينظر: المبسوط (2/ 175) .