ولأن الليل يصح اعتكافه مع غيره؛ فصح وحده؛ كالنهار [1] .
قالوا: رَوت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ اعْتِكَافَ إلاَّ بِصَوْمٍ) [2] .
قلنا: هو موقوف على عائشة: ورَفعه سفيان بن حسين [3] ، وهو ضعيف [4] فيما ينفرد به عن الزهري، ثم نحمله على نفي الفضيلة.
قالوا: لَبْثٌ في مكان مخصوص؛ فلم يَصِّر قُربة حتى ينضم إليه ما هو قربة كالوقوف [5] .
قلنا: نَقلبُ فلا يشترط فيه الصوم بالشرع؛ كالوقوف.
ثم نقول بموجبه؛ فإنه لا يصير قربة إلا بالنية؛ كما لا يصير الوقوف قربة إلا بالنية /.
ثم الوقوف ليس بقربة في نفسه؛ فلم يصر قربة إلا بغيره، واللبث في المسجد قربة في نفسه؛ بدليل أنه يمنع منه الجنب والحائض كما [يمنعان] [6] الصلاة.
ولأن الإحرام ليس بقربة في نفسه؛ فكان شرطًا في الوقوف، والصوم قربة مقصودة في نفسها لا يشترط في غير الاعتكاف؛ فلا يشترط في الاعتكاف كالصلاة [7] .
قالوا: لا يجب النذر إلا ما يَجبُ بالشرع، أو يَتعلق به واجب في الشرع؛ ولهذا لو نَذر الوقوف في الشمس، لم يَجب، والاعتكاف لا يَجب؛ فدل على أنه يَتعلق به واجب، وهو الصوم [8] .
قلنا: لا نُسَلِّم؛ بل كل ما هو قربة؛ فإنه يجب بالنذر، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله تَعَالى فَلْيُطِعْهُ) [9] ، والاعتكاف قربة؛ فوجب بالنذر بخلاف الوقوف في الشمس.
قالوا: إذ نذر أن يعتكف صائمًا وجب عليه الصوم، ولو لم يجب بالشرع لما وجب؛ لأنه ما نَذَرْهُ؛ كما لا
(1) ينظر: م. ن.
(2) أخرجه الدارقطني (2/ 199ـ 200) ، الحاكم (1/ 440) ، البيهقي (4/ 317) ، من طريق سويد بن عبدالعزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة، به. وذكره الزيلعي في نصب الراية (2/ 486) وقال: قال الدارقطني: تفرد به سويد عن سفيان. وقال البيهقي: هذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز وسويد ضعيف لا يقبل ما تفرد به وقد روى عن عطاء عن عائشة موقوفًا.
(3) هو سفيان بن حسين الواسطي، صدوق له أوهام عن الزهري. قال ابن معين: لم يكن بالقوي وقال أبو حاتم ليس به بأس إلا في الزهري. (ذكر أسماء من تكلم فيه، ص(89 ) ) .
(4) الضعيف: لغة: ضد القوي، اصطلاحًا: هو ما لم يجمع صفة الحسن، بفقد شرط من شروطه.
(تيسير مصطلح الحديث، ص(63) .
(5) ينظر: الحاوي (3/ 359) .
(6) ورد في المخطوط (يمنع) . ولعل الصواب ما أثبته.
(7) ينظر: الحاوي (3/ 360) .
(8) وأما قولهم: إن النذر يلزم فيما استقر له أصل في الشرع فباطل بمن نذر الصوم بداره قد لزمه نذره وليس له في الشرع أصل، ويبطل على أصلهم بالعمرة تلزم بالنذر، وليس لها عندهم أصل واجب في الشرع. (الحاوي(3/ 360 ) ) .
(9) أخرجه البخاري (11/ 581) ، كتاب: الأيمان، باب: النذور في الطاعة، حديث (6696) .