5/ هذا الخطاب توفيقي أساسا، فإذا كانت هناك فجوة قائمة دائما بين الخطاب والفكرة من ناحية، والواقع من ناحية أخرى، فلأن الخطاب يكون غالبا أقرب إلى المثالية، إذ أنه نتمتع بمنهجيتين لطرق هذا الواقع، إما تغييره بالمجاهدة [ولكن هل هذه مهمتنا؟ وهل هي من مصلحة الخطاب ومصلحة ضيوفه؟] ، أم نتوافق معه عبر استنباط الدلالات من النصوص، وطرق باب الاجتهاد بكل قوة وإخلاص، وهذا يستلزم جرأة وعلما ووعيا، يقول الدكتور جمال الدين عطية في شأن الفقه العام، والحديث جائز في غيره:"ولكن الذي لا ينتبه إليه الكثيرون هو ضرورة إعادة النظر في المسائل القديمة، أي الاجتهاد مجددًا في المسائل القديمة. فإن من المقرر أن لتغير ظروف الزمان والمكان والأشخاص أثره في تغير الاجتهاد والفتوى. ولا نوافق على حصر دور المجتهد في هذه الحالة على الانتقاء من بين الآراء القديمة رأيًا يكون أصلح أو أوفق ولو كان مرجوحًا في نظر أهل الترجيح من القدماء. فللمجتهد المعاصر أن يصل إلى رأي لم يقل به الأقدمون طالما أن له مستنده الشرعي في هذا الاجتهاد. ونحن لا نوافق على مقولة إنه إذا كان للقدماء ثلاثة آراء في المسألة (أو أربعة) فللمجتهد المعاصر أن يختار أحدها وليس له أن يقول برأي رابع (أو خامس) لم يقل به أحد من قبله، على أساس أن الآراء القديمة استنفدت بالقسمة العقلية جميع الاحتمالات؛ فهذا حَجْر على المجتهد لا أساس له من الشريعة" [3] .
وهنا يطرح بقوة ماصطلح على تسميته بفقه الأقليات والذي لنا عليه بعض التحفظات، لأننا لا نريده أن يبقى في مستوى فقه الفتوى والنصيحة وردّ الفعل ودعها حتى تقع! ولكنه يجب أن يكون له تصور كامل ومستقل عن الفقه العام، في مستوى أصوله على الأقل. ليس فقه الأقليات فقه الضرورات والحاجات والنوازل والمصالح المرسلة، وليس فقه العابد ولا العالم فقط، وليس فقه الواعظ والعارف فقط، بل هو كل ذلك، هو فقه رجل الشرع ورجل الاختصاص. وهو ليس فقها اقتصاديا فقط يفتي بجواز التملك والتصرف فقط، ولا يجب أن ينحبس مدراره في قضايا الفقه العام المتنوعة والتي غلب عليها في تاريخنا الجانب العبادي والشعائري وضمر البعد السياسي والحقوقي، بل يجب إدراك ما للسياسة من دور أساسي في استقرار الجالية وتمرسها بوسائل المدنية الجديدة وتعاملها في إطار ديمقراطي رحب وتعددية فكرية وسياسية متمكنة، والتركيز على بروز فقه سياسي متطور يحترم الموروث الاجتهادي نقدا أو تجاوزا ويثبت المقدس ولا يتخاصم مع الواقع.
لقد عدّد الدكتور القرضاوي تسعة ركائز لبناء وبلورة فقه الأقليات، نعتبرها تلم بالنواقص و تضفي شروطا موضوعية وواقعية لنجاح الخطاب الإسلامي في الغرب ونجاح هذه الأقلية في التفاعل السليم مع محيطها، وهي على التوالي: لا فقه بغير اجتهاد معاصر قويم، مراعاة القواعد الفقهية الكلية، العناية بفقه الواقع المعيشي، التركيز على فقه الجماعة لا مجرد الأفراد، تبني منهج التيسير، مراعاة قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها، مراعاة سنة التدرج، الاعتراف بالضرورات والحاجات البشرية، وأخيرا التحرر من الالتزام المذهبي [4] .
علينا أن نبحث إذا عن الثوابت في خطابنا التي لا تقبل التغيير وحصرها، والبحث عن ثوابت الواقع الغربي التي لا تقبل التبديل، والتحرك إثر ذلك في متغيرات الواقع واجتهادات"المبدأ"، بوعي وفهم داخل مؤسسة ومن خلال خطة عمل.
6/ وهذا يجرنا إلى صفة أخرى لهذا الخطاب، وهو أنه خطاب مؤسساتي، تحمله مؤسسة وتنزّله مؤسسة، بما يحمله هذا المصطلح من آليات وقوانين تبعدنا عن الفردية والمذهبية والطائفية واللاواقعية. خاصة ونحن في مجتمع المؤسسات ولا يمكن أن توجد لنفسك ولخطابك قدما وصوتا إذا كنت تغردّ خارج السرب، بعيد عن المؤسسة من جمعيات ونوادي ومراكز وأحزاب.
7/ لهذا الخطاب أولويات في التنظير والتنزيل، ونعود في هذا إلى مصطلح لم يخلو منه خطاب إسلامي، وهو فقه الأولويات، أو فقه المرحلة كما يقول فهمي هويدي، أو فقه المسار وفقه محطاته. وهو الفقه الذي يعني وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم أو يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغر الكبير ويكبر الصغير، كما يقول الشيخ القرضاوي.
وهذه الأولويات يحددها فقه بالأحكام وبالضوابط من ناحية، وفقه بالواقع من ناحية أخرى، فالحالة الفرنسية مثلا وما تمثلها اللائكية من وجود قانوني وثقافي وتاريخي متميز في البلد ولدى المواطن، تدفع إلى رؤية وأولوية لمعالجة قضية العلاقة بين الإسلام والعلمانية وحسم هذه الثنائية قبل غيرها، على عكس المجتمع البريطاني مثلا الذي تنعدم فيه هذه الثنائية أو لا تطرح فيه بمثل هذه الحدّة.