ولم يكتف الإسلام بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله وحفظ حريته، إنما أعطى للكيان المعنوي للإنسان المتعلق بكرامته حماية أيضًا، فتحريم القتل بغير حق هو تأكيد للحق في الحياة لقوله تعالى «؟وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ؟» وقوله تعالى «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا؟» .
ولن ندخل في بحث حقوق الإنسان في الإسلام بشكل شامل لكونها حقيقة ثابتة، ولكن سنعرض لمبدأ كرسه الإسلام وهو الحد اللائق لمعيشة الإنسان كجزء من حماية كرامته، فجاء بمبدأ «الضمان الاجتماعي» ومؤداه، أن يتعين لكل فرد يعيش في المجتمع الإسلامي ضمان المستوى اللائق للمعيشة له ولأسرته، وهو يوفره لنفسه بجهده وعمله، فإن عجز عن ذلك بسبب خارج عن إرادته كمرض أو عجز أو شيخوخة فإن نفقته تكون واجبة في بيت مال المسلمين أيا كانت ديانة هذا الفرد .
لأن الضمان الاجتماعي ترجمة للعدل الاجتماعي، فإن قصَّر الضمان انعدم العدل وانتهك أهم حق للإنسان الأمر الذي يعطي للمسلم الحق في مساءلة الحاكم بل والناس، ومن هنا كان عجب الصحابي أبي ذر الغفاري وتعجبه عندما قال: ''عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه.
وأمام هذا الاهتمام الإسلامي الواقعي بالإنسان والذي تسنده أحكام شرعية ملزمة بمقتضى نصوص قرآنية محكمة، أقرّت للإنسان في الإسلام حقوق تحفظ وتعزز من كرامته.
ولا مجال للمقارنة أو المقاربة بين موقف الإسلام وبين الفكر الوضعي وقوانينه في هذا الخصوص «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير» فالإسلام أعطى هذه الحقوق ابتداءً صفة الإلزام لا صفة الطواعية الأخلاقية.
وليست حقوق الإنسان التي قامت مع الإسلام أمنيات أو تمنيات، فالإسلام يقرّ الحقوق الإنسانية كجزء من الشريعة وصيانتها وظيفة شرعية تدخل كأساس في التشريع الإسلامي والعمل واجب شرعي وعبادي يدخل في إطار العلم والعمل المكونين للإيمان بالله وبما أُنزِل من كتب سماوية وبحاملي تلك الرسالات التي هي شفاء في صدور المؤمنين الملتزمين بها.
يقول البروفسور ليك: «هناك حقيقة جديرة بالاعتبار والتقدير وهي أنه في الوقت الذي كان العالم يرزح تحت نير العبودية جاء الإسلام ينادي بالحرية والإخاء والمساواة في الحقوق والواجبات» . وأن ما قام عليه الدين الإسلامي من مبادئ سامية شكّل العامود الفقري لوثيقة حقوق الإنسان وحمايته وحفظًا لحرية الانتقال والحركة والعيش بكرامة داخل المجتمعات التي يحل فيها. وقد ساهمت عوامل عديدة في انتقال المسلمين من أقطارهم إلى بلاد بعيدة نستعرضها في بحثنا.
ونذكر ما ورد في كتاب الله العزيز من آيات تدل وتؤكد على معاني الحرية والمساواة في الحقوق في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا» ، «لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا» ، «ا؟وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» ، «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون» .
بدأت ظاهرة الأقليات الإسلامية في العصر الحديث، مع تصاعد الهجرة من البلدان الإسلامية إلى مختلف أقطار الأرض، خلال العقد الأول من القرن العشرين في مستواها الأول، وأما في مستواها الثاني فبرزت هذه الظاهرة، مع نشوء الدول الحديثة في العديد من المناطق التي كانت تقع تحت حكم المسلمين، إلى أن أعيد رسم الخريطة الجغرافية والسياسية لهذه المناطق، بحيث تضاءل نفوذ المسلمين وتقلص حضورهم، ليصبحوا أقلية في المجتمعات التي كانوا يحكمونها
ومع نمو حركة الهجرة من العالم الإسلامي إلى شتى أقطار العالم، وبخاصة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ثم إلى أميريكا الجنوبية وكندا واستراليا، نشأت ظاهرة الأقليات الإسلامية لأول مرة تقريبًا في تاريخ الإسلام، حيث وصل المسلمون إلى هذه الدول يحملون ثقافتهم وحضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ليجدوا أنفسهم وسط مجتمعات لها أديانها ولغاتها وثقافاتها، ولها أنماط العيش وأساليب الحياة الخاصة بها والتي تختلف عما ألفوه ونشأوا عليه وعاشوا في كنفه في بلدانهم الأصلية.
وبالاحتكام إلى المقتضيات القانونية والدستورية المتعارف عليها دوليًا، فإن الأقليات الإسلامية، هي إحدى الفئات الثلاث التالية:
أولًا: رعايا دولة غير إسلامية، ينتسبون إلى هذه الدولة بالأصل والمواطنة، عليهم ما على مواطني تلك الدولة من حقوق وواجبات. وتمثل هذه الفئة الكبيرة من الأقليات الإسلامية «مسلمي الهند، والصين، والفليبين، وروسيا الاتحادية» وينضم إلى هذه الفئة، مواطنو الدول غير الإسلامية الذين اعتنقوا الإسلام في أوطانهم، فهم جزء لا يتجزأ من شعوبهم.