ولابد من ملاحظة أن الإعطاء بغرض التأليف من صلاحية الدولة المسلمة -إن وجدت - أو الجمعيات و المراكز الإسلامية بالنسبة للمسلم المقيم في بلاد الكفر فهي بالنسبة له تقوم مقام الدولة المسلمة (فقه الزكاة للقرضاوي2/608 وفتاوى اللجنة الدائمة10/109)
وما سبق إنما هو في الزكاة الواجبة, أما إعطاء غير المسلمين من صدقات التطوع تأليفًا لقلوبهم على الإسلام فيجوز لقوله تعالى: (لاَ ينْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فيِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إَنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [ سورة الممتحنة: 8] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يكرهون الصدقة على أنسابهم وأقربائهم من المشركين ، فسألوا فرخص لهم ، ونزلت هذه الآية: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ ، وَمَاتُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونْ ) [سورة البقرة/272] ، وقد مدح الله الأبرار من عباده بقوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَّيَتِيمًا وَّأَسِيرًا) [سورة الإنسان/8] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أسراهم يومئذ مشركين . وقال ابن كثير: ويشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسرى ، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء . (تفسير ابن كثير4/411)
وهذا الحكم في غير المحاربين, أما المحارب فلا يجوز إعطاؤه لقوله تعالى: ( إِنَّمَا ينْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ سورة الممتحنة/9] ، ولأنه حرب على الإسلام وأهله ، ومثله الملحد الذي ينكر وجود الله ويجحد النبوة والآخرة ، فهذا بطبيعته حرب على الدين ، وكذلك المرتد المارق من الإسلام بعد ما دخل فيه ، لأن حقه القتل لاقترافه جريمة الخيانة العظمى بارتداده عن الدين ومفارقته لجماعة المسلمين ، قال عليه والصلاة والسلام:"من بدل دينه فاقتلوه" (رواه أحمد والبخاري وأهل السنن عن ابن عباس ) . (فقه الزكاة للقرضاوي 2 /702 ) .
وبناء على ما سبق فإذا رأى المسؤلون في المراكز الإسلامية أن في إعطاء بعض الكفار من الصدقة أو الزكاة تأليفًا لقلوبهم رجاء إسلامهم أو إعطاء شخصيات علمية أو اجتماعية تدافع عن المسلمين في تلك البلاد فإنهم في فسحة ولا يلحقهم حرج من الناحية الشرعية ضرورة انضباط مفهوم المؤلفة قلوبهم وغير المحاربين وعدم التوسع في ذلك تحت ذرائع وعواطف ينقصها الفقه والورع .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
عبد الرزاق الكندي 30/8/1423
لقد تميز المهرجان الرمضاني -إن صح التعبير - بتنوع العبادات فيه ,وكان الصوم بحد ذاته مظهرًا من مظاهر وحدة الأمة حيث لم يترك الشارع الحكيم لأفراد الناس أن يختاروا الأيام المعدودة التي يصومونها بل جعل لها حدًا زمنيًا موسميا ويوميا لجميع الناس فكان الصيام مظهرا للاجتماع, ومن العبادات التي يتجلى فيها مظهر الاجتماع وتحقق الترابط الروحي صلاة التراويح فقد كان الناس يصلونها أوزاعًا فأقلق ذلك عمر -رضي الله عنه - فجمع الناس على أمام واحد ,فقد روى البخاري عن بن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال ثم خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط, فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله (1) وقد فعل عمر ذلك ليتحقق الصف الواحد وتتقارب أجسادهم لتلتحم قلوبهم وهو مفهوم (2) قوله صلى الله عليه وسلم لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم - البخاري ومسلم-, وإن مما يحزن أن تتحول صلاة التراويح من مظهر للاجتماع إلى سبب للاختلاف,وأدهى منه أن يكون ذلك في مناطق تجمع المسلمين في بلاد الغرب حيث يواجهون التحديات الكبيرة فطائفة تصلي في مركزها إحدى عشرة ركعة وطائفة تصلي في مسجدها ثلاثًا وعشرين ركعة وجالية خلف إمامها ثلاث عشرة ركعة, اختلفوا في صف الصلاة فاختلفت قلوبهم وكان حري بهم أن يجعلوا من رمضان فرصة لائتلاف القلوب, ولاشك أن حصول مثل
هذا الاختلاف في صلاة التراويح مرده إلى أمرين
1-عدم تحرير مسألة صلاة التراويح من الناحية العلمية
2-عدم إدراك فقه الاجتماع والمصالح العامة للمسلمين
وخلاصة تحرير المسألة في صلاة التراويح هل هي إحدى عشرة ركعة أوثلاث عشرة أوثلاثًا وعشرين أو أكثر من ذلك-كما هو عند المالكية-؟