وهذا التأصيل لا يمنع العمل بمفهوم القطرية في الإطار المشروع فقد يحتف بالواقع من الملابسات ما يلزم الداعية العمل في الإطار القطري فقط ، كما لا يتعارض مع خصوصيات كل قطر في معالجة مشاكله واختيار الأساليب الدعوية الأنجع والأنفع ولكن تبقى عالمية الدعوة هي الأصل وما سواها عارض ، وليس منا من دعا بدعوى الجاهلية (متفق عليه) .
وقال صلى الله عليه وسلم ومن دعا دعوى الجاهلية فهو جثا (2) جهنم (أي من جماعتها) فقال رجل:يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال نعم وإن صام وصلى (رواه أحمد والترمذي والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم)
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل ،،،
وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى,,,
(1) - سلبيات في حياة الإسلاميين 44-47 (بتصرف)
(2) -الجثا الحجارة المجموعة
(الحلقة الثانية)
فلنتعاون فيما اختلفنا فيه
عبدالرزاق الكندي 3/1/1423
مما لا يخفى أن التشرذم الذي أصبح ظاهرة بين أهل الدعوة إلى الله وأبناء الصحوة الإسلامية ، أفراد وتنظيمات ومراكز جعل قاعدة ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه ) ـ مما يسوغ فيه الاختلاف ـ حلمًا لرجال الإصلاح وحاملي راية لم الشمل وجمع الكلمة .
ولكن عند التأمل في النصوص والقواعد الشرعية وسيرة السلف الصالح نجد أنه يسعنا أكثر من هذه القاعدة فالخلافات التي تعصف بالصف الإسلامي على قسمين:
1-ما يسع الجميع أن يعمل كل بما يراه راجحًا ولا يكون العمل به مؤثرًا على وحدة الصف فقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم في كثير من المسائل وعمل كل بما يراه راجحًا من غير إنكار بعد المناصحة وبيان كل وجهة نظره ـ مع الإبقاء على وحدة الصف والائتلاف وهذا أمر متقرر ، سبق ذكره في الحلقة الأولى .
2-ما لا يسع الجميع العمل كل بما يراه راجحًا حيث لو عمل كل بما يراه لتشتت الصف وتفرقت الكلمة وضعفت القوة وهذا القسم هو الذي تدل النصوص الشرعية وعمل السلف الصالح على وجوب النزول على رأي واحد من الناحية العملية مع احتفاظ كل بما يراه من الناحية العلمية حيث لا يجوز للإنسان أن يعتقد خلاف ما يراه صوابًا شرعًا ولكن يسعه العمل بخلاف ما يراه ، بل قد يجب عليه تحقيقًا لمصلحة أعظم كاجتماع الكلمة ووحدة الصف (1)
وقد دلت النصوص الشرعية وفعل السلف على ذلك قال الله تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن ) الله مع الصابرين (2)
ففي الآية إشارة إلى أن عدم التنازع يلزم لتحقيقه الصبر على قبول ما لا يراه المرء راجحًا أو صوابًا وهذا من أسرار ختم الآية بالوصية بالصبر وقد أشار إلى هذا المعنى القاسمي والطاهر بن عاشور عند تفسير هذه الآية (3)
وهذا هو أيضا مدلول التطاوع في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن فقال:"بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ، وتطاوعا ولا تختلفا" (4)
ووجه الاستشهاد هنا قوله صلى الله عليه وسلم:"تطاوعا ولا تختلفا"، فالأمر فيها واضح ، والنصيحة محددة ، وهي تعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر ـ مسبقًا ـ أن مبررات الخلاف بين الاثنين موجودة ، وأن تباين وجهات الرأي والتفكير والنظر واقعة لا محالة ، وإلا لما كان هناك معنى للنصيحة أصلًا .
ومن ثم ، فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم نصيحته إلى صاحبيه بالتطاوع ، ونهاهما عن الاختلاف ، والنهي ـ بطبيعة الحال ـ ليس متوجهًا إلى حقيقة الشيء ، وإنما هو متوجه إلى ناتجه ومآله ، بمعنى أنه لا يعني نهيهما عن أن يكون لكل منهما رأيه ، ووجهة نظره في القضية المطروحة ، لأن ذلك معناه إيقاف التفكير أصلًا ، وهو باطل واضح ، فيبقى أن أمره صلى الله عليه وسلم يعني ألا يؤدي ذلك التباين"الفكري"إلى افتراق (الموقف العملي ) ، بمعنى آخر ، إذا كان من حق كل منهما أن يكون له رأيه وترجيحاته وموقفه نظريًا ، فإن من حق"واقع المسلمين"أن يتعامل مع رأي واحد، وموقف واحد عمليًا .
ومن هنا كان مفتاح الحل لهذه الأمور المحتملة المحددة ، في النصيحة النبوية"تطاوعًا"بمعنى ألا يصرّ كل منهما على رأيه ، ويتعنت فيه ، ويصعد الخلاف حوله ، وإنما يتساهل فيه ، ليقدم وحدة"العمل"على"اختلاف"الرأي (5) .
ومن الأدلة على تقرير هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"إقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا" (6)
حيث أرشدهم إلى ترك القراءة مع ما فيها من الفضل وليس في الترك فضل إلا أن مصلحة الاجتماع وائتلاف القلوب ووحدة الصف جعلت الترك راجحًا .
وقد فطن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى ـ العمل بالمرجوح مع وجود الراجح تحقيقًا لمبدأ الاجتماع ـ فقد روى أبو داود أن عثمان رضي الله عنه لما أتم الصلاة في منى أتم معه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدم اقتناعهم بما فعل ولما سُئل ابن مسعود كيف تتم أربعًا وأنت تنكر عليه قال: الخلاف شر (7)