( وعند محمد يعود إلى ملك الباني ، أو إلى وارثه بعد موته ، لأنه عين لنوع قربة ، وقد انقطعت فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه ) (الهداية مع فتح القدير 5/446 ) فإذا عاد إلى ملك الواقف جاز بيعه بعد ذلك.
وقد استدل الجمهور على قولهم بعدم جواز البيع, وعدم انتقاله الى ملك الواقف , بقصة عمر -رضي الله عنه -بخيبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان من شرائط الوقف: أنه لا يباع أصلها , ولا تباع ولا تورث, ولا توهب . أخرجه الشيخان, وهذا لفظ مسلم في باب الوقف.
واستدل الإمام أبو يوسف للجمهور بالكعبة أيضًا, فإن زمن الفترة قد كان حول الكعبة عبدة الأصنام , وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية , ثم لم يخرج موضع الكعبة به من أن يكون موضع طاعة وقربة خاصة لله تعالى , فكذلك سائر المساجد , واعترض عليه ابن الهمام في فتح القدير 5/ 446 بأن الطواف لم يزل باقيًا في عهد الفترة أيضًا , فلم تترك العبادة المقصودة بالكعبة راسًا, وأجاب عنه العثماني التهانوني -رحمه الله - بأن القربة التي عينت لها الكعبة هي الصلاة إليها دون الطواف وحده لقوله تعالى عن إبراهيم -عليه السلام -بعد ذكر إسكانه وذريته عند البيت الحرام (ربنا ليقيموا الصلاة) ولم يذكر الطواف , وقوله (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين ) مفسر بالمسافرين والمقيمين كقوله (سواءً العاكف فيه والباد ) (انظر إعلاء السنن 13/212 )
ومن أقوى أدلة الجمهور في هذا الباب قول الله تعالى (وأن المساجد لله )
قال ابن العربي: ( إذا تعينت أصلا وعينت له عقدًا, فصارت عتيقة عن التملك, مشتركة بين الخليقة في العبادة ) (أحكام القرآن 4/1869 )
وأما الإمام أحمد فاستدل له ابن قدامة"بما روي أن عمر _رضي الله عنه- كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين , واجعل بيت المال في قبلة المسجد , فإنه لن يزال في المسجد مصلٍ" (المغني 6/226 )
وأجاب عنه ابن الهمام بأنه يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال في المسجد (فتح القدير 5/446 )
ويبدو أن المذهب الراجح في هذا ,مذهب الجمهور, فلا ينبغي أن يباع مسجد بعد ما تقرر كونه مسجدًا , وإلا صارت المساجد مثل كنائس النصارى , يبيعونها كلما شاؤوا , ولكن المسألة لما كانت اجتهادية, وعند الفريقين أدلة من الكتاب والسنة, فلو خيف الاستيلاء من قبل الكفار على مسجد ارتحل عن جواره أهله, ولم ترجَ عودة المسلمين إلى ذلك المكان , ففي مثل هذه الضرورة الشديدة يبدو أنه لا بأس بالأخذ بقول الإمام أحمد , أو محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى - ، ويباع بناء المسجد ، ويصرف ثمنه إلى بناء مسجد آخر ، لا إلى مصرف سوى المسجد ، قد نص عليه فقهاء الحنابلة حيث قالوا: ( ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة ، لجاز تخريب المسجد ، وجعله سقاية وحوانيت ، ويجعل بدله مسجدًا في موضع آخر) (المغني 6/226 )
ثم إن جواز هذا البيع إنما يصار إليه إن تحقق انتقال جميع السكان مما حول المسجد ، ولم يرج عودهم إليه ، فإن انتقل أكثر السكان ، وبقي منهم بعض ، فلا سبيل إليه ، قد نصّ عليه فقهاء الحنابلة أيضًا حيث قالوا:
"وإن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية لكن قلّت، وكان غيره أنفع منه وأكثر, رد على أهل الوقف ولم يجز بيعه ، لأن الأصل تحريم البيع ، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ، ومع الانتفاع ، وإن قلّ ما يضيع المقصود" (المغني 6/227 )
الشيخ/ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء 29/11/1423
السؤال
في ولايتنا في أمريكا تم الخلاف حول صلاة عيد الأضحى إلى ثلاثة أقوال ، قول: نصلي يوم السبت ونصوم الجمعة حسب اختلاف المطالع ، والثاني: نقتدي بالسعودية نصلي الجمعة ونصوم الخميس ، ورأي آخر: نصوم الخميس لأن المسلمين يقفون بعرفة الخميس ، ونصلي ونحتفل بالعيد السبت فما رأيكم في ذلك ؟ وكيف نقلل من حدة الخلاف؟
الجواب.
الاختلاف ممكن في رؤية هلال رمضان وهلال عيد الفطر ، وإن كان الأفضل عند جمهور الفقهاء أن يصوم جميع المسلمين ويفطروا عند رؤية الهلال في أي قطر من الأقطار.
أما بالنسبة لعيد الأضحى فلا يجوز ذلك إطلاقًا ولا ينظر في هلال ذي الحجة إلى الحساب ولا إلى رؤية الأقطار، وإنما ينظر فقط إلى الأوقات التي يسير عليها الحجاج فعلًا. فيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الحجيج في عرفة فعلًا، ولا عبرة بالرؤية في جميع الأقطار ولا بالحساب إذا خالف ذلك.
هذا في رأيي هو الاجتهاد الأصح، إلا أنه لا يمكن مصادرة عقول الناس وإلزامهم باجتهاد واحد ، فالخلاف في مثل هذه الأمور كان موجودًا منذ القدم ، وسيظل موجودًا إلى أن تقوم الساعة . لكن ، ربط عيد الأضحى بالسعودية باعتبارها مكان أداء مناسك الحج هو الاجتهاد الأقرب لجمع الناس عليه
فضيلة الشيخ: عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله- 15/11/1423