قال شيخ الإسلام في الفتاوى (24/106) : وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ جَعَلَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ مَشْرُوعًا فِي جِنْسِ السَّفَرِ وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ .
وسئل الشيخ ابن عثيمين في فتاوى أركان الإسلام (ص381) عن مقدار المسافة التي يقصر فيها المسافر الصلاة وهل يجوز الجمع دون قصر ؟
فأجاب:
المسافة التي تقصر فيها الصلاة حددها بعض العلماء بنحو ثلاثة وثمانين كيلو مترا ، وحددها بعض العلماء بما جرى به العرف أنه سفر وإن لم يبلغ ثمانين كيلو مترا ، وما قال الناس عنه: إنه ليس بسفر ، فليس بسفر ولو بلغ مائة كيلو متر .
وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وذلك لأن الله تعالى لم يحدد مسافة معينة لجواز القصر وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد مسافة معينة .
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . رواه مسلم (691) .
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أقرب إلى الصواب .
ولا حرج عند اختلاف العرف فيه أن يأخذ الإنسان بالقول بالتحديد ؛ لأنه قال به بعض الأئمة والعلماء المجتهدين ، فلا بأس به إن شاء الله تعالى ، أما مادام الأمر منضبطا فالرجوع إلى العرف هو الصواب اهـ .
الإسلام سؤال وجواب
…سؤال رقم 47643
…سؤال:
ذهبت مع والدي إلى سفر وأقمنا يومًا واحدًا ثم رجعنا ، هل في هذا اليوم نجمع ونقصر أم نقصر من دون الجمع ؟.
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
اختلف أهل العلم - رحمهم الله - في المدة التي إن أقام فيها قصر صلاته وإن زاد عليها أتم على أقوال كثيرة ، والمذاهب الأربعة على أنه إذا كانت إقامة المسافر لا تزيد على ثلاثة أيام فله أن يترخص برخص السفر .
قال ابن رشد:
وأما اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا قام فيه في بلد أن يقصر: فاختلاف كثير ، حكى فيه أبو عمر - أي: ابن عبد البر - نحوًا من أحد عشر قولًا ، إلا أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم .
والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتم .
والثالث: مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم .
وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع ، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصرًا ، أو أنه جعل لها حكم المسافر .
"بداية المجتهد" ( 1 / 122 ، 123 ) .
وعلى هذا ، فالصورة المسئول عنها وهي إقامة المسافر يومًا واحدًا لم يقع فيها خلاف بين الأئمة أنه يقصر الصلاة .
ثانيًا:
أما الجمع: فإن كان سائرًا على الطريق: فالأفضل له أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إما جمع تقديم وإما جمع تأخير حسب الأيسر له .
وإن كان نازلًا ( كمن وصل إلى البلد الذي سافر إليه ، أو نزل بالطريق عدة ساعات ليستريح ) : فالأفضل أن لا يجمع ، وإن جمع فلا بأس لصحة الأمرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -:
وقوله:"في سفر قصر"ظاهر كلامه أنه يجوز الجمع للمسافر سواء كان نازلًا أم سائرًا ، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء .
فمنهم من يقول: إنه لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا .
واستدل بحديث ابن عمر:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ به السير"يعني: إذا كان سائرًا .
وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين الصلاتين في منى في حجة الوداع ؛ لأنه كان نازلًا ، وإلا فلا شك أنه في سفر؛ لأنه يقصر الصلاة ... .
والقول الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر ، سواء كان نازلًا أم سائرًا .
واستدلوا لذلك بما يلي:
1.أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك وهو نازل .
2.ظاهر حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيحين:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلًا في الأبطح في حجة الوداع ، وأنه خرج ذات يوم وعليه حلة حمراء فأمَّ الناس فصلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين"قالوا: فظاهر هذا أنهما كانتا مجموعتين .
3.عموم حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم:"جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر".
4.أنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه: فجوازه للسفر من باب أولى .
5.أن المسافر يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها ، إما للعناء ، أو قلة الماء ، أو غير ذلك .
والصحيح: أن الجمع للمسافر جائز ، لكنه في حق السائر مستحب ، وفي حق النازل جائز غير مستحب ، إن جمع فلا بأس ، وإن ترك فهو أفضل .
"الشرح الممتع" ( 4 / 387 - 390 ) .
وانظر جواب السؤال رقم: ( 50312 ) .