فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 830

ولحكمة يريدها الله، ولبيان دور الهجرة في إظهار الدين، وعدم ركون المسلم إلى الدعة والاسترخاء والسقوط في الرفه، أو السقوط أمام الظالمين، ولأن الهجرة حالة مستمرة استمرار الحياة، جعلها الرسول صلى الله عليه و سلم المثال والأنموذج لإخلاص النية، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه) (رواه الجماعة عن عمر، واللفظ لأبي داود) .

والمقصد المتبادر للهجرة والمشروع: هو الانتقال من بلد الكفر والشرك إلى بلد الإسلام، أو الفرار بالدين من الفتن إلى محل يأمن فيه المسلم من الإثم، أو من بلد يفتن فيه المسلم عن دينه ويؤذى بسبب اعتقاده...إلخ. يقول تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) (العنكبوت: 56) ، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: (هذا أمرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين) (تفسير ابن كثير،

الفصل الأول : مجتمعات غير المسلمين، وموقف الشريعة منها

المبحث الأول: أقسام مجتمعات المخالفين حسب دياناتها

المبحث الثاني: موقف الشريعة من المخالفين وأصل علاقتها بهم

المبحث الثالث: أقسام ديار غير المسلمين بحسب موقفهم من الإسلام وأهله

تقسيم المجتمعات البشرية على أساس العقيدة، ليس بالأمر النظري الذي لا أثر له في مسيرة الحياة بالنسبة لنا، أو لا تترتب عليه أحكام، بل إن بحثنا هذا بأكمله ما هو إلا نتاج هذا التقسيم، لما ينشأ عنه من آثار بالغة الأهمية، تمس المرء المسلم في دنياه وأخراه، إذ أن الشرع الحنيف شرَّع الكثير من الأحكام التي تبين للمسلم كيفية التعامل مع غير المسلمين، وما يجب أن يكون عليه موقفه منهم في شؤون الحياة المتنوعة، وطبيعة الصلة بهم، وموقعه بالنسبة لحكوماتهم التي يقيم تحت ظل قوانينها. ومجتمعات غير المسلمين تتباين بحسب أصول عقائدها، فهي ليست سواء، وليست على درجة واحدة، وفي مستوى واحد في نظر الشرع.

المبحث الأول: أقسام مجتمعات المخالفين حسب دياناتها

البشر في نظر الشريعة الإسلامية، ينقسمون بحسب الديانة، إلى طائفتين كبيرتين:

أ - طائفة المسلمين.

ب - طائفة الكافرين.

والذي نبغي بيانه هنا هو طوائف الكافرين المشهورة منها، وذائعة الصيت، وهؤلاء أصناف وملل شتى، يجمعهم وصف واحد وهو الكفر، وإن كان لكل صنف منهم اسم خاص يميزه عن الآخر.

(والكافر هو من لم يؤمن بوحدانية الله سبحانه وتعالى، أو بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم، أو بشريعته، أو بثلاثتها) (1) .

وبعبارة موجزة: هو من لم يعتنق دين الله الحق (الإسلام) .

وهم أصناف:

أولًا: أهل الكتاب:

اختلف الفقهاء في تحديد الكتابي، وفيمن ينطبق عليه هذا الوصف، إلى فريقين:

الفريق الأول: الحنفية:

فقد ذهبوا في تعريفه إلى أنه: (هو كل من اعتقد دينًا سماويًا، وله كتاب منزل، كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وشيث، وزبور داود) (2) ، ونص على ذلك الشافعي (3) .

فأهل الكتاب عند هؤلاء ليسوا هم اليهود والنصارى كما هو مشهور فحسب، بل هم من لهم كتاب ذو أصل سماوي.

ويظهر أن الحنفية ومن وافقهم، نظروا إلى طبيعة اللفظ اللغوية (أهل الكتاب) ، أي أصحاب أي كتاب سماوي، وبه قال أبو يعلى، من الحنابلة (4) .

الفريق الآخر، وهم جمهور الأمة من العلماء والفقهاء:

فقد قالوا: (إن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى فقط) ، ولا يدخل غيرهم في هذا المسمى، لقوله تعالى: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) (الأنعام: 156) .

ووجه الدلالة، أن أهل الكتاب لو كانوا أكثر من طائفتين لما خصهم بهما (أي بالطائفتين) .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إن المقصود بالطائفتين هم اليهود والنصارى، وذهب ابن عطية إلى إضافة القول: (بإجماع من أهل التأويل) .

وقال أصحاب هذا القول: وأما أصحاب الصحف فلا يدخلون تحت مسمى (أهل الكتاب) ، لأنها كانت مواعظ، وأمثالًا لا أحكام فيها ولا شرائع، فلا يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الأحكام.

ولا يشترط في الكتابي أن يلتزم بدينه عقيدة وسلوكًا، فقد ذهب جمهور الأمة (5) إلى أنه تكفي العقيدة، فبمجرد أن يعتقد شخص دينًا من أديان أهل الكتاب فإنه يصبح به كتابيًا، ولو لم يلتزم بالعمل بأحكامه، أو لم يكيّف منهجه وفق منهج دينه.

وأما ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اعتراضه على الصحابة لما اعتبروا عرب بني تغلب المتنصّرين من أهل الكتاب، أنه قال: (إنهم ليس معهم من النصرانية سوى شرب الخمر) ، فأجابه جميع الصحابة: (حسبنا أنهم صاروا نصارى) .

وردّ ابن عباس رضي الله عنهما فقال: قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (المائدة: 51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت