فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 830

لذلك كان فهم الصحابة لأبعاد المهمة واستجابتهم، منسجمًا مع التكليف الشرعي، فحملوا الإسلام صوب العالم كله، لإخراجه من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، واستطاعوا العيش والتكيف مع كل الظروف، شأنهم في ذلك شأن الإسلام بمبادئه العالمية والإنسانية، واستوطنوا البلاد، وعاشوا إسلامهم بمقدار استطاعاتهم، استجابة لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعت) (التغابن: 16) ، ولم يحسوا بعقدة الاغتراب، أو أن يميزوا في مجال الدعوة بين أرض وأرض، فالأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده، أو بين شعب وشعب، وجنس وجنس، فالأكرم الأتقى، أو بين أقلية وأكثرية، وإنما هي قدرات واستطاعات قد تتوفر في إطار الأقلية العددية، فيكون الواحد بمائة أو بألف: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) (الأنفال: 65) .

والغلبة هنا لا تقتصر على الغلبة العسكرية، وإنما تتجاوز إلى أبعاد أخرى، حتى تستوعب الغلبة والظهور الحضاري والثقافي، كما أسلفنا، وتغيب في مجال الأكثرية العددية، وقد يكون العكس هو الصحيح، ولكل حالة فقهها ومتطلباتها.

ولعل مما ساعد الإسلام على الظهور والانتشار، وجعل للإسلام وجودًا في كل المواقع، أنه اعتبر اعتناقه أو الإيمان به خيارًا إنسانيًا، وجاء هذا الخيار ليكون عنوانًا لكرامة وإرادة وحرية الإنسان، قال تعالى: (لست عليهم بمصيطر ) (الغاشية: 22) . وقال: (وما أنت عليهم بجبار ) (ق: 45) ، وقال: (لا إكراه في الدين) (البقرة: 256) بدون سيطرة أو جبروت أو إكراه، وجعل الأمة المسلمة أو المجتمع الإسلامي مجتمعًا مفتوحًا لكل الأجناس والأعراق والألوان، وبذلك نفى عن هذا الدين العنصرية والتعصب والانغلاق على لون أو جنس أو جغرافيا، كما هو حال كل الحضارات التاريخية، فليس أحد بأحق به من أحد، فـ (سلمان منّا آل البيت) ، و (أبو جهل فرعون هذه الأمة) .. وأي إنسان يعتنق الإسلام، يتمتع بالأخوة الإسلامية وحقوقها، ويكون له من الحقوق وعليه من الواجبات ما على كل مسلم.

لذلك يمكن القول: بأن هذا مكّن من الانتشار والوجود في كل المواقع، وكسر كل أسوار التعصب والانغلاق، وأدى إلى الاندماج والانفتاح والتعاون وإنتاج المسلم -حيثما وجد الإنسان- الذي لا يعاني من عقدة اللون أو الجنس أو العرق أو الاغتراب، وأنه يمكن له أن يكون مسلمًا يمارس التكاليف الشرعية، في حدود ما يمتلك من استطاعة، قال تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) (البقرة: 286) ، وهذا يعني أن يطبق الإسلام في كل أحواله طالما استفرغ استطاعته.

ومن القضايا ذات الصلة المباشرة بموضوع الوجود الإسلامي في البلاد التي توصف بأنها غير إسلامية، قضية الهجرة، التي تعتبر من الجهاد ومن لوازم مهمة البلاغ المبين ومراغمة أعداء الله، وقد سبق أن أشرنا إلى عالمية الرسالة الإسلامية، ومهمة البلاغ المبين.

إن إظهار دين الحق، الإسلام، على الدين كله، يقتضي حمل الدعوة والتبشير بها إلى كل المواقع والأماكن، حتى يخرج المسلم من عهدة التكليف.. وسبق أن أشرنا إلى البشائر النبوية بأن هذا الدين سوف يبلغ ما بلغ الليل والنهار، وينتشر في الحواضر والبوادي على حدٍّ سواء، وهذا يعني الوجود والانتشار الإسلامي بشكل أو بآخر في كل المواقع، سواءً كانت البلاد إسلامية بأغلبية سكانها، أو كانت غير إسلامية من حيث أغلبية السكان.

لذلك يمكن القول: بأن الهجرة دعوة وحركة، والهجرة جهاد، والهجرة محاولة لتجاوز الواقع الراكد المستنقع، وتحول إلى موقع أجدى، وتحرف لمدافعة أكثر عطاءً، ولا أعتقد أن للهجرة أحكامًا شرعية واحدة ثابتة لكل الحالات، بل لكل حالة أحكامها بحسب الظروف والملابسات والتغييرات السكانية والإدارية والدستورية، شريطة أن تبقى الهجرة مرتبطة بمقاصدها ومنطلقاتها الشرعية، ولا تتحول إلى مهارب سلبية تسودها فلسفات ومسوغات الانسحاب والهزيمة، شأنها في ذلك شأن الجهاد، حيث لا يجوز التولي عن الزحف والفرار من الموقع، إلا في حالة التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة، يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (الأنفال: 15-16) .

والمقصد الشرعي الأساس في الهجرة، أن تكون فرارًا إلى الله، سواءً كان ذلك على مستوى النفس أو على مستوى المكان. فالرسول صلى الله عليه و سلم يعرّف المهاجر بقوله: (إنَّ المهاجر مَن هَجَرَ ما نهى الله عنه) (رواه أحمد عن ابن عمرو) ، حتى ولو لم يغير موقعه، لأنه مارس هجرة نفسية وذلك بالانخلاع من الواقع الثقافي الجاهلي والوثني الذي تسوده العبودية لغير الله، مصداقًا لقوله تعالى: (والرجز فاهجر) (المدثر: 5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت