غيره. كما بدا التعامل مع هذا الوسيط الجديد يطرح نفسه بجدية أكثر في مجال جمع المعلومات والبحث عن حلول على الهواء لإشكاليات تعترض المسلمين في الغرب. كما أن الفضائيات في متناول الكبار والصغار
على السواء، يتابعون من خلالها البرامج الدينية المختلفة، ويبحثون عن الفتاوى على الهواء. ويعد انتشارها ظاهرة لافتة للنظر؛ إذ لا يكاد يخلو بيت مسلم في الغرب من صحن فضائي يلتقط من خلاله القنوات
المختلفة وباللغات المختلفة وفي الموضوعات المختلفة. ويذكر الدكتور تيسير الآلوسي -أستاذ الأدب العربي- أن تأثير الفضائيات العربية على الجمهور الموجود في الغرب كبير ومتنوع، وهو على تماس مباشر مع
أجواء مختلفة، إلا أنها ليست على مستوى تقني وتعبوي مكتمل، وتشوبها كثير من النواقص على مستوى الأداء، كما تتحكم فيها ظروف محلية محكومة بسياسات محددة في كثير من الأحيان. كما أن ضعف قدرتها على التنسيق، وضعف صلاتها بالجاليات في
الغرب يضع العراقيل أمام تفعيلها بطريقة إيجابية. ويضيف الآلوسي:"إن الفضائيات تمتلك أدوارًا تأثيرية، ولكن أحيانًا سلبية، بخاصة عند تعلق الأمر بالإسلام والمسلمين؛ لأنها تعتمد خطابًا جامدًا لا يتفاعل مع"
واقع يمتلك حراكه الخاص والمميز، وهي عدا ذلك تعكس خليطًا من أرضية ليست متنوعة؛ بل مختلفة متناقضة أحيانًا؛ وهو ما يجعل التأثير السلبي قائمًا، ويجرها بعيدًا عن الاعتدال والوسطية، في وسط حالة من عدم التدقيق في قراءة الوضع
الإعلامي ودراسته موضوعيًّا وعلميًّا؛ حيث يعتمد قراءات متعجلة لغير المتخصصين". الاستشراق ومشكلاته لقد تناولت أقلام المستشرقين الغربيين خلال القرنين الماضين بالدراسة والتحليل مختلف العلوم"
الإسلامية، وألّفت في ذلك كتبا وأعدت دراسات، وإن بدا تركيزهم منصبًّا بالأساس على الجانب التاريخي والفلسفي أكثر. غير أن مؤاخذات كثيرة يطرحها عدد من الأكاديميين والمتخصصين في الفكر الاستشراقي؛ أهمها غياب الحيادية في
الغالب، واعتماد أسلوب التشكيك، وتنزيل مناهج نقدية مجردة عن الخلفية الثقافية للمادة المراد دراستها؛ وهو ما دعا عددًا كبيرًا من المسلمين إلى عدم التسليم بالنتائج التي وصل إليها الفكر
الاستشراقي، والنظر إلى الإنتاج الاستشراقي بمزيد من الريبة والشك لكل ما يكتبونه وما كتبوه؛ وهو ما استوجب من الاستشراق الحديث البحث عن مداخل جديدة يستطيع من خلالها رفع الغشاوة التي وضعت على إنتاجه بالعمل
تحت مسميات جديدة. أما عن دور الاستشراق في تشكيل عقل المسلم في الغرب، وضبط صورة الإسلام لدى الغربيين؛ فيوضحه الدكتور يوحنا مولمان -أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة أوكسفورد- في حديثنا معه قائلا:"إن الاستشراق ليس"
له علاقة مباشرة بالعامة من الناس، ولكن تأثيره غالبًا ما يكون على المتخصصين من الطلبة والمثقفين والباحثين". ويضيف مولمان:"إن عددًا من وسائل الإعلام في الغرب تصنع صورة الإسلام في ذهن العامة بما تستقيه
من معلومات من الكتب الاستشراقية، وبالتالي يكون التأثير الاستشراقي غير مباشر على العامة، وتأثيره أقوى على المثقفين وصناع الرأي والقرار من ساسة وصحفيين". ضبابية الرسالة بتنوع المسلمين الذين يعيشون في الغرب -من حيث"
المستوى العلمي والمعرفي والأصول الجغرافية، ثم من حيث الاتجاه الديني ونوعية التدين الذي تحمله كل مجموعة من جهة، ومدى قابلية القوانين الغربية للتنوع، وقدرة هذه الدول على إدماج المسلمين في نسيج
الدورة الاجتماعية التي يعيشون فيها من جهة أخرى- بهذا التنوع تزداد صعوبة التوصل إلى إيجاد مصدر واحد يشبع رغبة الجميع. في مقابل أن التنوع والتدفق الهائل يستوجب الحذر من الرسالة والخطاب الذي لا يراعي
الخصوصية للأقليات المتوزعة، ثم يبتعد عن التفعيل الإيجابي لهذه الأقليات، غارقًا في مطبات القضايا الخلافية والفرعية والتركيز على جلد الذات. كما يتحتم على ملقي الرسالة أن يراعي في رسالته
المتلقي المراد إيصال الرسالة إليه؛ فمنهم من لا يتكلمون العربية وليسوا عربًا، أو من تشبعوا بثقافة الغرب ولم يعودوا يحملون من العربية سوى اسمها، أو مَن هم من الأميين الذين تعوزهم آلية فهم اللغة وأبعادها،
أو من لا يستطيع أن يُعمِل العقل بشكل سليم. أمّا القلة التي تتوجه الرسالة إليهم مباشرة ممن نهلوا من معين مصادر الإسلام فإنهم ما زالوا مغلولي الأيدي وما زالوا يمثلون الأقلية، ولم
الإسلام في الغرب
د. صلاح عبد الرزاق
المقصود بالإسلام الأوروبي ليس تصنيفًا جغرافيًا أو سياسيًا، بل يقصد به فهم أوروبي معين للإسلام. هذا الفهم يستند إلى مجموعة من الحقائق والوقائع أهمها:- انتشر الإسلام بين مختلف الشعوب والأمم ،