فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 830

المبحث الرابع : المعاملات

المطلب الأول: المعاملات والنصوص الواردة في التعامل مع غير المسلمين

المطلب الثاني: مسائل في المعاملات

إن الإسلام دين استوعب الحياة كلها بتشريعاته، فنظّم علاقة الإنسان بخالقه، وعلاقة الناس بعضهم ببعض، أفرادًا وجماعات.

ولما كان الإنسان لا تسعه العزلة، ولا يمكنه أن يحقق أمور معاشه إلا من خلال تبادل المنافع مع الآخرين، فقد وضع الشرع ضوابط تحكم أمور التعامل، وبناها على أسس سليمة قائمة على الحق والعدل، دونما حرج أو عنت.

المطلب الأول: المعاملات والنصوص الواردة في التعامل مع غير المسلمين

المعاملات: هي الأحكام الشرعية المتعلقة بأمر الدنيا، لتصريفها وصيانتها، كالبيع والشراء والإجارة ونحوهما.

وهناك نصوص وقواعد تجيز التعامل مع غير المسلمين:

من القرآن: قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) (آل عمران: 75) .

ومن السنة: ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعه (240) .. وثبت أنه اشترى سلعة من يهودي إلى الميسرة (241) .

وما رواه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم ثم جاء رجل مشرك بغنم يسوقها فاشترى منه النبي صلى الله عليه و سلم شاة(242 ) ) . وغير ذلك من النصوص.

ومن عمل الصحابة: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: (كاتبت أمية بن خلف(243) كتابًا بأن يحفظني في صياغتي (أي أهلي ومالي) بمكة، وأحفظه في صياغته بالمدينة) (244) .

ومن الإجماع: (أجمع المسلمون على جواز معاملة المسلمين الكفارَ إذا وقع ذلك على ما يحل) (245) .

ومن أقوال العلماء: جاء في كشف الأسرار على أصول البزدوي: (ولهذا كان الكافر أهلًا لأحكام لا يراد بها وجه الله(أي لا تحتاج إلى نية كالعبادات) ، مثل المعاملات... لأنه أهل لأدائها، إذ المطلوب من المعاملات مصالح الدنيا، وهم (أي الكفار) أليق بأمور الدنيا من المسلمين، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة) (246) .

قال ابن بطال: (معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين) .

وقال ابن حجر: (تجوز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم) (247) .

فدلت الآيات والأحاديث والآثار وأقوال العلماء بمجموعها، على جواز التعامل مع الكتابي والوثني.

المطلب الثاني: مسائل في المعاملات

المسألة الأولى: حكم التعامل بالربا في دار غير المسلمين:

ذهبت جماهير العلماء إلى أن الربا حرام، قليله وكثيره سواء، لا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمَيْن، أو مسلم وحربي، وسواء دخل المسلم دار الحرب بأمان أو بغيره، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وأبو يوسف وغيرهم، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (248) .

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1-عموم الأخبار القاضية بتحريم الزيادة والتفاضل، والتي لم تقيد التحريم بمكان دون مكان، أو بزمان دون زمان، بل جاءت مطلقة وعامة، ومن هذه الأدلة العامة قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) (البقرة: 275) . وقوله: (وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) (البقرة: 278) .

ومن الأخبار قول النبي صلى الله عليه و سلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، وذكر منهن الربا (249) .

فكل هذه النصوص تفيد تحريم الربا على سبيل العموم، من غير تفصيل ولا تخصيص.

2-ما كان محرمًا في دار الإسلام فهو محرم في دار الحرب، كالربا بين المسلمين وسائر المعاصي.

3-القياس على المستأمن الحربي الذي يدخل دارنا بأمان، فقد أجمعوا على حرمة التعامل معه بالربا، وكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب فلا يجوز التعامل معهم بالربا.

قال الشافعي: (لا تُسقط دار الحرب عنهم(أي عن المسلمين) فرضًا، كما لا تُسقط عنهم صومًا ولا صلاة) (250) . وقال: (والحرام في دار الإسلام حرام في دار الكفر) (251) .

وقال الشوكاني: (إن الأحكام لازمة للمسلمين في أي مكان وجدوا، ودار الحرب ليست بناسخة للأحكام الشرعية) (252) .

المسألة الثانية: هل للمسلم أن يؤجر نفسه من كافر فيما هو معصية عندنا؟

صورة هذا التساؤل: أن يؤجر المسلم نفسه لكافر، لبناء معبد للشرك، أو حمل محرم كخمر، أو ميتة، أو خنزير، أو بيعه، أو أن يعمل عنده في معاملات ربوية، أو في مصانع تنتج محرمات، أو ما شاكل ذلك.

فقد ذهب الجمهور إلى حُرمة أن يؤجر المسلم نفسه لكافر في عمل كهذا. فقد سئل الإمام مالك: المسلم يؤجر نفسه للكافر يحمل له خمرًا، فقال: (لا تصلح هذه الإجارة) . وقال: (بل لا يعطى عليها إجارة) .

والقول بأنه لا يعطى عليها الأجر، رواية عن أحمد (253) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت