فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 830

عندما يحدّد ولاة أمر المسلمين في ديار المشركين الجهة التي تثبت الهلال لديها، ويعلنون الأخذ برؤيتها، لا يحل للمسلمين هناك أن يخالفوا، بحيث يصوم البعض على رؤية هذا البلد، وآخرون على رؤية بلد غيره، وآخرون على رؤية بلد ثالث، وهكذا.. والجميع يقيم في إقليم واحد مما يجعلك ترى في البلدة الواحدة الصائم المتبع للهند، والمفطر المتبع للسعودية أو ما شابه ذلك.

فإن في ذلك من الاختلاف المذموم بما لا يخفى، وهو أمر يمقته الله تعالى، فلا يستقيم شرعًا ولا عقلًا أن ينقسم المسلمون في منطقة واحدة على الجهة التي يعتمدون عليها في الصيام والإفطار، كما هي حالهم اليوم، فهذا ما يحرم ارتكابه وممارسته.

فإما أن يصوموا على رؤيتهم الخاصة، وإما أن يأخذوا برؤية أول بلد إسلامي، وإلا كان الاختلاف، وكان الشر.

المسألة الثانية: صيام أهل القطبين:

تقدم أثناء الكلام عن صلاة هؤلاء، أن الراجح في مواقيت الصلاة عندهم أنهم يعملون بالتقدير، إما على أقرب البلاد اعتدالًا إليهم، وإما على مكة أو المدينة، ولكن كيف يصومون والشمس لا تغيب عندهم إلا بعد ستة أشهر من طلوعها، ثم تغرب ستة أشهر وهكذا؟

الحكم في صيامهم كالحكم في صلاتهم، بمعنى أنهم يقدرون يومهم وليلهم بأقرب البلاد التي يشهد أهلها الشهر، ويعرفون وقت الإمساك والإفطار، والتي تتميز فيها الأوقات، ويتسع ليلها ونهارها لما فرض الله من صوم وقيام، على الوجه الذي يحقق حكمة التكليف دون مشقة أو إرهاق، أو بمكة بعد أن يأخذوا برؤية أول بلد قريب، أو بمن يثقون بها من البلدان الإسلامية، ويكون صومهم أداء. ولم يخالف أحد في وجوب الصيام عليهم أبدًا.

المسألة الثالثة: صيام من يطول نهارهم جدًا:

يحدث في بعض الفصول أن يطول نهار بعض دول أوروبا (234) ، ويصل إلى عشرين ساعة أو يزيد. وقد يتفق أن يأتي رمضان في ذلك الوقت على أهل تلك البلاد، وغالبًا ما يشكو المسلمون هناك من جراء الصيام من الضيق والحرج.

فهل يرخص لهم بالفطر؟ أم يعملون بالتقدير على البلاد المعتدلة وقتئذ؟

لم تناقش هذه القضية قديمًا، وإنما ناقشها فقهاء معاصرون يمكننا من خلال اجتهاداتهم أن نقول: إن هناك فريقين إزاء هذه القضية:

الفريق الأول: تمثله دار الإفتاء المصرية:

فقد أجازت لمسلمي النرويج، وغيرهم ممن شاكلهم في وضعهم، أن يصوموا على قدر الساعات التي يصومها أهل مكة أو المدينة في حال طول نهارهم وقصر ليلهم، أو أن يقدروا بأقرب البلاد المعتدلة إليهم، وأن يبدأوا بالصوم من طلوع الفجر، ويفطرون مع ميعاد البلاد التي يقدرون بها، من حيث عدد الساعات، ولا يتوقفون على غروب الشمس.

وقال الشيخ شلتوت: (صيام ثلاث وعشرين ساعة من أصل أربع وعشرين ساعة، تكليف تأباه الحكمة من أحكم الحاكمين، والرحمة من أرحم الراحمين) (235) .

الفريق الآخر: تمثله لجنة الإفتاء في السعودية، والشيخ حسنين مخلوف.

فقد قالت اللجنة الدائمة للإفتاء بخصوص ذلك ما يلي:

(إذا تميز النهار والليل في مكان ما وجب على المكلفين من سكانه في رمضان أن يصوموا ويمسكوا عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب شمس ذلك اليوم طال النهار أم قصر) (236) .

وقال الشيخ حسنين مخلوف ما يلي:

(أما البلاد التي تطلع فيها الشمس وتغرب كل يوم إلا أن مدة طلوعها تبلغ نحو عشرين ساعة، فبالنسبة للصوم، يجب عليهم الصوم في رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هناك، إلا إذا أدى ذلك الصوم إلى الضرر بالصائم وخاف من طول مدة الصيام الهلاك، أو المرض الشديد فحينئذ يرخص له الفطر، ولا يعتبر في ذلك مجرد الوهم والخيال، وإنما المعتبر غلبة الظن بواسطة الأمارات، أو التجربة، أو إخبار الطبيب الحاذق بأن الصوم يفضي إلى الهلاك، أو المرض الشديد، أو زيادة المرض، أو بطء البرء، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فلكل شخص حالة خاصة، وعلى من أفطر في كل هذه الأحوال قضاء ما أفطره بعد زوال العذر الذي رخص له من أجله الفطر) (237) .

والذي يترجح عندي قول الفريق الآخر، لأنه يتفق مع النصوص الآمرة بالصيام على سبيل الإطلاق بمجرد شهود الشهر، وتميز الليل والنهار، فمن ذلك قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة: 185) .

فهذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي كان مقيمًا في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو الصحيح في بدنه، أن يصوم لا محالة (238) .

وقوله أيضًا: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة: 187) .

وهؤلاء يتميز عندهم الليل والنهار، ويتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أي ضياء الصباح من سواد الليل.

ويلاحظ أن هذه الآيات جاءت على سبيل الإطلاق فشملت كل مسلم لا فرق بين إقليم وآخر، ولا بين من كان نهاره طويلًا أم قصيرًا.

ولقول النبي صلى الله عليه و سلم: (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم) (239) . وهؤلاء يتميز ليلهم ونهارهم بحيث يقبل ليلهم، ويدبر نهارهم، وتغرب شمسهم كل أربع وعشرين ساعة، والحكم منوط بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت