إن من المسلمات عند أئمة الدعوة النجدية أن مسالة أن تولي الكافرين ومناصرتهم على المسلمين كفر مخرج من الملة وهذا الأمر مستفيض عنهم بلا شك من لدن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله الذي صرح في ( نواقضه العشرة ) على كفر من يظاهر المشركين ويعاونهم على المسلمين ! ثم من بعده أبناءه وطلابه ، ولا أدل على ذلك من حكاية الإجماع أو الإتفاق من كثير منهم على ما نص عليه إمامهم رحمهم الله جميعا !
وكونهم يقسمون الولاء إلى قسمين ( كفر ، وما دونه ) اكبر دليل على أن هناك صور مكفرة بذاتها وأخرى دون ذلك ………وهذا أصل محكم !!!
ومحاولة البعض طمس هذه الحقائق أو التشغيب عليها محاولة فاشلة ومفضوحة ....
ثم إن من المقرر عن أهل العلم أنه إذا تعارضت مسالة جزئية مع أصل كلي من الأصول وأشكلت فلا ينتقض هذا الأصل أو يطعن في قطعيته لأجل معارضة أو توهم معارضة مع هذه المسالة الجزئية
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
"أن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا وأيضا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعيوأيضا فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها" ( الموافقات ج: 2 ص: 53)
وتوجيه هذه المعارضة قد يكون بحملها على أحد هذين الوجهين:
-إما أن تكون هذه المعارضة من قبيل تخصيص العام فيكون لها حكمها الخاص المستثني من الحكم العام وفي هذا الوجه إعمال لكلا الدليلين وهو أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر !
-وإما أن تندرج تحت هذه الأصل وتأخذ حكمه ويؤول معناها بما يتفق مع هذا الأصل !
-وقصة حاطب رضي الله عنه على الوجه الأول تكون من نوع الموالاة غير المكفرة ويكون حديث حاطب رضي الله عنه نص في ذلك '''
فنحكم النص ونترك ما يذهب إليه العقل من أن هذه الإعانة قد تكون اعظم من المساعدة بالمال أو النفس أو غير ذلك لأن العقل محكوم بالشرع وكما قال علي رضي الله عنه:
"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفين أولى بالمسح من أعلاهما"
ولأنه قد يقال: إن اتخاذهم بطانة وتقريبهم من الولاة وعملهم كوزراء ومستشارين في الدولة وتوليهم الأمور العظام مما يجعل أمر المسلمين كأنه في أيديهم أكثر إفسادا على الأمة من مجرد إفشاء سر أو مكاتبة عدو على حسب ما جاء في قصة حاطب رضي الله عنه '''
ولما لم تكفر النصوص الشرعية من قام بهذا بل اكتفت بالنهي عن ذلك وقفنا عندها ولم نتجاوزها ! فكذلك يقال في قصة حاطب رضي الله عنه
وهذا الوجه - قد - يصح الحمل عليه بشرط أن يقتصر هذا الحكم على حد الصورة التي جاءت في قصة حاطب رضي الله عنه لا تتجاوزها ، فإذا كان بهذه الصورة يصح حملها على نوع الموالاة غير المكفرة على هذا الوجه ، ''
وهذا لا يمنع أن يكون جنس هذا العمل كفرا إن تجاوز هذه الحدود فقد يوقع صاحبه في الكفر والعياذ بالله ويدخل في باب المولاة المكفرة ' وهو مع ذلك على خطر عظيم .
وعلى هذا يستقيم كلام أهل العلم ممن جعل فعل حاطب رضي الله عنه أصل في حكم الجاسوس المسلم وميزوه عن باقي صور المظاهرة والمعاونة ويستقيم الإجماع أيضا بحمله على ما ورد النص بكفر فاعله ، والله أعلم
الوجه الثاني:
أن تندرج حكم هذه الصورة من الموالاة تحت الأصول المقررة لكفر من ظاهر المشركين وعاونهم على المسلمين ويكون حكمها هو الكفر الأكبر كما حكي الإجماع على ذلك غير واحد ! ويؤول فعل حاطب رضي الله عنه أنه ليس مظاهرة ولا معاونة للكفار لأنه
"متأول"كما قرر ذلك ابن حجر رحمه الله وغيره حيث قال:
"وعذر حاطب ما ذكره؛ فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه"ا. هـ. ( الفتح 8/50)
والتأويل كما هو معلوم عذر شرعي كالخطأ والإكراه يرفع وصف الفعل عن الفاعل وإن كان الفعل في الأصل كفر مخرج من الملة، فهو رضي الله عنه لم يكفر ، لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم له وقبوله لعذره !
ولكن يستنبط من القصة ما يدل على أن جنس هذا العمل مكفر كما هو ظاهر من موقف عمر رضي الله عنه وأرضاه .
وكون الشيخ رحمه الله يرى أن فعل حاطب من الموالاة المحرمة على حالتين:
-إما أن الشيخ رحمه الله ( يخص ) فعل حاطب رضي الله عنه بأنه مولاة محرمة وهذا
( تخصيص لحاطب ) لما أحتف به من قرائن تدل على صدقه ، ولكونه متأولا -كما سبق -، ولتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم له ، وهذا لا يتعارض مع حكمه بكفر من أعان الكفار بالرأي واللسان….
-وإما أنه رحمه الله يرى أن فعل حاطب رضي الله عنه مولاة محرمة دون تخصيص حاطب بذلك وتكون هذه الصورة من المولاة مخصصة من عموم صور المعاونة بالرأي لورود النص بذلك ( وهذا تخصيص لفعل حاطب ) .
وأخيرا لا تخلوا هذه الوجوه من إيرادات لكن هذا ما تيسر لي الآن وتحرير المسألة يطول والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه: أبو عبدالرحمن الباشا
…سؤال رقم 96689
…سؤال: