فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 830

شاب حجّ البيت فسمع أن من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فعزم على فتح صفحة بيضاء، بدأها فور عودته من الحج بأوبة صادقة، هدم معها بناء المعصية، وأقام صروح الطاعة. وكانت أسرته تلومه أن تشدّد -حسب زعمهم- وما هي إلا سنوات حتى كسر حواجز الغربة، وأزال حب المعصية، حتى أصبح - أحيانًا - يُلام على بعض تقصيره -الذي كان يُعدّ بالأمس تشدّدًا -! ووجد من يأخذ بيده -إن لم يكن بتلابيبه- ليقول له: اتق الله. ووجد من يُقوّمه إذا اعوجّ، ويشد من أزرِه إذا تذكّر.

والمشكلة تكمن أحيانًا في اليأس، وأنه لا سبيل لإصلاح من يعيش بينهم، وأنه لا يُمكن أن يهتدوا، وأن قلوبهم تشرّبت حُبّ المعصية كما تشرّبت قلوب بني إسرائيل حُبّ العجل!

ليس أحد أشد من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي قيل عنه: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب! قيل ذلك مُبالغة في اليأس منه ومن إسلامه!

ولكنه ما لبث أن أسلم فقيل عنه: كان إسلامه فتحًا على المسلمين، وفرجًا لهم من الضيق.

وقال عبد الله بن مسعود: وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر!

ولقد حرص الصّدّيق - رضي الله عنه - منذ أول وهلة دخل فيها الإسلام على كسر حاجز الغُربة، فاجتهد في دعوة الأقربين، وحرص على صنائع المعروف حتى أعتق الأعبد، فقد أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله، وهم: بلال بن أبي رباح، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عُبيس.

فمن أراد إزالة الغربة فليبدأ بأقرب أهله إليه، وليحرص على صنائع المعروف، وليُحسن إلى أهله حتى يُرى أن صلاحه ما زاده إلا بِرًّا وإحسانًا.

والله الهادي إلى سواء السبيل..

بتاريخ: 02 - 05 - 2005

خالد البيطار

أنا مهما أبعدتني المحنُ *** ليس لي في غير روضي سكنُ

فاعصفي يا ريح ما شئت على *** باسم الزّهر وطُلْ يا زمن

إن قلبي صابر محتسب *** وعلى غرسته مؤتمنُ

أنا إن طال اغترابي وبدا *** في جبيني وعيوني الوَهنُ

وغدا دربي الذي أسلكه *** ملؤه غيمٌ ثقيلٌ دَكنُ

ففؤادي واثقٌ من خطوه *** يبتغي النصرَ وهذا ثمنُ

أنا إن قلَّ عتادي ونمى (1) *** أمره في الناس حتى افتتنوا

وغدا زادي الذي في جعبتي *** خشنًا تطفح منه المننُ

لن تراني يائسًا مستسلمًا *** إنّ ظني بإلهي حسنُ

(1) نمى ينمي:نمى الخبر وانتشر وذاع.

مالك إبراهيم الأحمد

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: »إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء« [1] .

وعن سهل بن سعد الساعدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: »إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريباَ كما بدأ، فطوبى للغرباء « قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: » الذين يَصلُحون إذا فسد الناس « [2] وروي بزيادة بلفظ: » قيل ومن الغرباء؟ قال: النُّزاع من القبائل« [3] .

كما روى عبد الله بن المبارك في كتابه الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: »طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم« [4] .

في الحديث الأول بيان مبدأ الإسلام، وأنه بدأ غريبًا بين الأديان، وكان أهله غرباء بين الناس، وكان المستجيب له غريبًا بين أهله وعشيرته، يؤذى بسبب ذلك ويفتن في دينه، ويعادى على ذلك، وكان المسلمون صابرين راضين بقضاء الله مطيعين لأوامر رسوله حتى قوي الإسلام واشتد عوده في المدينة فزالت غربته عندما انتشر في أرض العرب، وكان أهله هم الظاهرين على من ناوأهم. وسيعود الإسلام غريبًا كما بدأ (كما هو حال زماننا هذا) لقلة المتمسكين به. وهذه الغربة تزداد شيئًا فشيئًا بسبب دخول فتنة الشبهات والشهوات على الناس.

أما فتنة الشبهات فقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة [5] .

وأما فتنة الشهوات فقد بين الرسول- صلى الله عليه وسلم - ذلك حيث قال: »والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم« [6] .

أما فتنة الشبهات فينجى منها الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث. »لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك« [7] وهم الغرباء في آخر الزمان.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: »..وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد. ومع هذا فطوبى لمن تمسك بالشريعة كما أمر الله ورسوله« ا هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت