فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 830

وقد استدل الجمهور لما ذهبوا إليه من الجواز بالكتاب والأثر والمعقول:

أما الكتاب فقول الله تعالى: ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) كما مضى ورأوا أن هذه الآية - وهي آية المائدة - إما مخصصة لعموم قوله تعالى في سورة البقرة:) ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ( وإما ناسخة لها ، لأن آية المائدة متأخرة ، وإما أن لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب .

وأما الأثر فما ورد في نكاح بعض الصحابة اليهوديات والنصرانيات منهم طلحة بن عبيد الله ، وحذيفة بن اليمان ، وعثمان بن عفان ، رضي الله عنهم .

وأما المعقول ، فإن الكتابية وقد آمنت في الجملة بالله وبعض كتبه واليوم الآخر وبعض الرسل وقد تميل إلى الإسلام إذا نبهت إلى الحقيقة ، فرجاء إسلامها أقرب من الوثنية .

وأما قولهم بالكراهة:

فقد عللوه بخوف الفتنة أما على الرجل أو على الولد بحيث يميل إلى دين أمه ,وبخشية مواقعة المومسات منهن كما علل بذلك عمر رضي الله عنه حينما كتب لبعض الصحابة في الأمصار .

* خالف في ذلك بعض العلماء ، ومنهم ابن حزم كما في المحلى ( 9/445) فجعل حكم المجوسية كحكم الكتابية ، وكذلك الشوكاني ، كما في السيل الجرار (/245.252) وراجع ا لمغني لابن قدامة ( 7/131.130) .

(1) البقرة: 221.

(2) الممتحنة: 10 .

(3) المائدة: 5 .

(4 ) ) ، (5انظر: بدائع الصانع( 3/1414)

-المبسوط ( 4/210)

-الشرح الصغير على الدريدير ( 2/420) .

-المنهاج ( 3/187) ورونق الطالبين ( 7/137.135) .

-المغني ( 9/545) .

-مجموع الفتاوى ( 32/178) .

-الجامع لأحكام القرآن ( 3/69) .

-الفقه الإسلامي وأدلته لوهبه الزحيلي ( 7/154) .

د.عبد الله القادري 16/3/1423

المانعين الزواج بالكتابية مطلقًا

* المذهب الثاني:-

تحريم الزواج بالكتابية على المسلم:

وهو قول ابن عمر - رضي الله عنه - وابن حزم والهادوية (1) .

* أدلتهم:

واستدل أهل هذا المذهب بأدلة:

الدليل الأول: من القرآن ، وفيه آيتان صريحتان في النهي عن زواج المسلم بالمشركة ، والكتابيات مشركات والنهي عن إمساك المسلمين نساءهم الكوافر الذي كان مسكوتًا عنه في أول الإسلام .

الآية الأولى: آية البقرة ، وهي قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) (2) .

وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى نهى عن نكاح كل امرأة مشركة وجعل غاية النهي عن ذلك الإيمان، فكل مشركة داخلة في هذا العموم ، والكتابيات مشركات بدليل وصف الله تعالى أهل الكتاب بذلك ، كما في قوله تعالى:

( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) (3) . فقد وصف اليهود والنصارى بأنهم يشركون به تعالى ، وعلى هذا القول تعتبر آية البقرة ناسخة لآية المائدة -على عكس ما ذهب إليه بعض أهل القول الأول - وقد ذكر ابن حيان قولًا لابن عباس: أن آية البقرة هذه عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير دين الإسلام ونكاحهن حرام ، والآية محكمة على هذا ناسخة لآية المائدة ، وآية المائدة متقدمة في النزول على هذه الآية ، وإن كانت متأخرة في التلاوة ويؤيدها قول ابن عمر في الموطأ: ولا أعلم شركًا أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى ...." (4) ، ومعنى هذا أن سورة المائدة وإن كانت من آخر سور القرآن نزولًا ، فلا يمنع ذلك من أن تكون آيتها متقدمة على بعض آيات السور التي نزلت قبلها في الجملة ."

جواب الجمهور:

وأجيب عن دعوى نسخ آية المائدة بآية البقرة بأمرين:

الأمر الأول: عدم وجود الدليل على تأخر آية البقرة على آية المائدة ، ودعوى نسخ آية البقرة بآية المائدة أولى، لأن سورة المائدة متأخرة عن سورة البقرة باتفاق العلماء (5) ، وعلى فرض عدم تأخر آية المائدة على آية البقرة فإن الأولى المصير إلى الأمر الثاني .

الأمر الثاني: وهو الجمع بين النصوص إذا أمكن بدلًا من إعمال أحدها وإهمال حكم الآخر ، والجمع هنا ممكن وهو ما ذهب إليه الجمهور من اعتبار آية البقرة عامة تشمل جميع الكافرات بما فيهن الكتابيات وآية المائدة استثنت الكتابيات من النهي فبقين على الجواز .

والآية الثانية: هي قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) (6) ولفظ الآية عام يتناول كل كافرة ، فلا تحل كافرة بوجه من الوجوه ، ولا عبرة بخصوص سبب نزولها في نساء المسلمين من مشركات مكة ، بل العبرة بعموم لفظها.

وأجيب عنها بما أجيب عن آية البقرة السابقة بأن الكتابيات مستثنيات بآية المائدة ودل عليها عمل الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم (7) .

(1) انظر: المبسوط ( 4/210) والمحلى ( 9/445) والسيل الجرار ( 2/252-254) .

(2) البقرة: (221) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت