والهجرات الإسلامية القاصدة تاريخيًا، كلها كانت ذات عطاء، سواءً في نشر الدين، أو إقامة الدولة المسلمة، وقد لا نحتاج لإيراد الأمثلة من أكثر من موقع، ولكن حسبنا أن نقول: إن الهجرة الأنموذج من مكة إلى المدينة، هي التي شكلت المنعطف التاريخي البشري وإقامة دولة الإسلام.. ولأمر يريده الله، أن دولة الإسلام الأنموذج كتب لها أن تقوم في معقل يهود في المدينة المنورة، ولم تقم بمكة حول البيت الذي بُني على التوحيد، ليكون ذلك دليلًا وهاديًا وحافزًا لكل الهجرات القادمة على الطريق حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. وأن الضعف بتقدير الله، سوف يتحول إلى قوة.. وأن أوهن البيوت، وهو بيت العنكبوت، كان بحسب الظاهر سببًا في حماية الرسول صلى الله عليه و سلم في هجرته لإقامة دولة الإسلام.
فما على المسلم إلا أن يعرف إسلامه، ويعرف كيف يدعو إليه، وسوف يكون مؤثرًا وفاعلًا أينما كان، والرسول صلى الله عليه و سلم يقول: (اتق الله حيثما كنت) (رواه الترمذي، من حديث أبي ذر) ، والأرض لله يورثها من يشاء، ومسؤولية المسلم مسؤولية عالمية لاستنقاذ الناس وإلحاق الرحمة بهم، والفرد قد يكون أمة، كما أسلفنا، فلا تقاس الأمور بالأكثرية والأقلية، فكم من أكثرية لا قيمة لها، وكم من أقلية تمتلك القيمة الكبرى، إذا أحسنت التعامل مع سنن التدافع الحضاري.
وبعد:
فالكتاب الذي نقدمه اليوم هو في أصله دراسة علمية أكاديمية لموضوع فقه الأقليات المسلمة، عرض المؤلف من خلالها للأحكام الفقهية الشرعية، والاجتهادات المتعددة، بقدر غير قليل من الاستقصاء، وحاول الترجيح ما أمكن لبعض الاجتهادات، سواء في مجال العبادات أو المعاملات، والعلاقات الاجتماعية، وقضية الولاء والبراء، بحسب ما أمكن من استقراء الظروف والأحوال للواقع الدولي اليوم.
وقد لا يكون المطلوب الاقتصار على النظر والاجتهاد في مجال الفقه التشريعي -على ضرورته وأهميته- وإنما لابد من التفكير في المناهج التربوية، وبناء الأنظمة المعرفية وموارد التشكيل والتحصين الثقافي، وبيان موقع الثقافة الإسلامية من الثقافات القائمة، والقدرة على استيعاب الحالات المتعددة، فما يصلح لأقلية في مجتمع ما من الأحكام والمناهج، قد لا يصلح لأقلية في مجتمع ذي طبيعة أخرى، وما يصلح للمسلم في بلاد العالم الإسلامي، قد لا يصلح للمسلم في مجتمعات غير إسلامية.
ولعل من الأهمية بمكان التفكير بتوطين الدعوة، ليأتي الفقه التربوي والتشريعي والثقافي ثمرة للواقع الميداني، فيتحقق بذلك مدلول قوله تعالى: (رسولًا منهم) ، بعيدًا عن مخاطبتهم من وراء الحدود ومن خارج المعاناة.
ويبقى ملف الأقلية المسلمة في البلاد غير الإسلامية، مفتوحًا لمزيد من البحث والدرس والاجتهاد والمتابعة، على المستوى الفكري والفقهي والثقافي، في ضوء التطورات الاجتماعية والمعاهدات والمؤسسات الدولية، ومواثيق حقوق الإنسان، والمعطيات الحضارية في مجال الإعلام، وشبكة المعلومات، والقنوات الفضائية التي احتلت الأثير، واخترقت الحدود السياسية للدول، فجعلت من الأقلية أكثرية في القدرة والتأثير، وجعلت من الأكثرية أقلية حيث العجز والتخاذل وصور التحكم، وأتاحت إمكانات علمية وتعليمية تصل إلى كل المواقع. لذلك فالقضية محتاجة إلى الكثير من التأمل والنظر والاجتهاد والتخطيط.
والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فالإسلام منهج حياة متكامل، تناول كل جوانب الحياة، ونظّم العلاقات الإنسانية كلها، ووضع لها أحكامًا وقواعد على مقتضى الحق والعدل.
فلم يقتصر على بيان علاقة الأفراد بخالقهم، والتي هي أساس كل علاقة، بل اتسع ليستوعب شؤون العلاقات الاجتماعية بين المسلمين بعضهم مع بعض، وبين المسلمين ومخالفيهم، على نحو لم تعرف البشرية شبيهًا ولا مثيلًا له.
ولم يكتف كذلك بالتنظير، بل ربط بين المعرفة والعمل برباط متين في كثير من النصوص، وطلب من أتباعه أن يكيِّفوا سلوكهم وفق قواعده وتعاليمه، وأن يحكموا الرباط بين الفكر والمسلك كارتباط القاعدة بالبناء، ليكونوا -بحق- خير أمة هادية للحقيقة التي ضل عنها كثير من الناس.
والإسلام هو الدين المهيمن على الدين كله، ومعتنقوه شهداء على الناس.. ولكي يصدق على المسلم وصف الشاهد، لابد أن يكون على مستوى إسلامه، منهجًا وفكرًا وتصورًا وسلوكًا.