وإذا كان هذا السبب يؤدي إلى كراهة الزواج بالكتابية في دار الإسلام خشية من الزهد في الزواج بالمسلمات اللاتي يجدن الأزواج الراغبين فيهن غالبًا ، فإنه ـ أي هذا السبب ـ صالح لتحريم الزواج بالكتابية في دار الكفر إذا أدى إلى ترك الزواج بالمسلمة وافتتانها بالزنا أو الزواج بالكفار ، وهو محرم عليها كالزنا .
وإذا كان زواج المسلم بالكتابية مباحًا ، والمسلمون إنما تعاطوه في دار الإسلام ، ومع ذلك وجد من يرى تحريمه من السلف و عامة أهل العلم كرهوه ، وكثير منهم حرموه في دار الحرب ، وإذا علمنا تلك المفاسد التي تترتب عليه في دار الكفر فما حكمه ؟!.
(1) أحكام القرآن للجصاص (1/366) .
(2) المائدة:51.
(3) المائدة:55-57
(4) الممتحنة:4
(5) المائدة: 5
(6) أحكام القرآن للجصاص (2/324) .
(7) وقد رجح هذا القول ابن جرير الطبري وذكر القائلين به في تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/107-108) .
(8) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/108) .
(9) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/378) .
د.عبدالله الأهدل 27/5/1423
حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر (د)
حكم المسألة:
إن المفاسد التي سبق ذكرها في الحلقة الماضية ليست مفروضة ، وإنما هي واقعة في الغالب مع الغالب من المسلمين المقيمين في دار الكفر ممن يتزوجون الكافرات ، وقد تكون هناك مفاسد كثيرة يعرفها أولئك المسلمون الذي يقعون في شراك الاستيطان في بلاد الكفر ولو لم يكن من تلك المفاسد إلا وقوع المسلم نفسه في الارتداد عن دينه ، أو التخلق بأخلاق الكفار التي لا يقرها الإسلام ، وكذلك مفسدة تنشئة نسله على الكفر وعادات الكفار ، لو لم يكن من تلك المفاسد كلها إلا هاتان المفسدتان لكانتا كافيتين في القول بتحريم زواج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر ، فكيف بها إذا اجتمعت كلها ؟!.
إذا أفضى المباح إلى محرم
معلوم أن المباح هو ما استوى طرفاه (1) ، أي: فعله و تركه ، فهو ليس مطلوب الفعل و لا مطلوب الترك شرعًا من حيث هو مباح
فإذا كان وسيلة إلى مندوب صار مطلوب الفعل ندبًا ، وإن كان وسيلة إلى مكروه صار مطلوب الترك كراهة فإذا كان ذريعة إلى محرم صار مطلوب الترك تحريمًا .وإن كان وسيلة إلى واجب صار مطلوب الفعل وجوبًا ؟ و نكاح المسلم الكتابية مباح من حيث هو فإذا صار ذريعة إلى تلك المفاسد التي كل مفسدة منها محرمة وحدها ، فإنه يصير مطلوب الترك تحريمًا لذلك .
هذا هو الحكم الذي اطمأنت إليه النفس بالنسبة لزواج المسلم بالكتابية في ديار الكفر ، ما دامت تلك المفاسد تترتب عليه ، فإذا ادعى مدع أن تلك المفاسد لا تترتب على ذلك و أثبت حجة على دعواه فالأمر عندئذ يختلف ، وما إخال أحدًا يثبت ذلك اللهم إلا في مسائل فردية نادرة ، والعبرة بالغالب وليس بالنادر .
و لا أظن أن الذي توصلت إليه في هذه المسألة يخالف ما ذهب إليه علماء الإسلام قديمًا ، فإن تحريم الزواج بالكتابية في دار الكفر في هذه الأيام أكثر شبهًا بدار الحرب في الماضي ، وقد حرم الزواج بالكتابية في دار الحرب: الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما، ورجح ذلك بعض علماء المذهب الحنفي ، وكرهه آخرون منهم ، كما كرهه كراهة شديدة الإمام مالك وهو كذلك في المذهب الشافعي ، وصرح بتحريمه علماء الحنابلة وعللوا ذلك بمفسدة ركونه إليها وسكناه في دار الحرب ، وتنشئة أولاده على الكفر و محبة أهله .
وهذه المفاسد وغيرها موجودة في دار الكفر في هذه الأيام .
وهناك قاعدة شرعية عظيمة ، وهي أن الدين من الضرورات التي يجب حفظها ، والزواج بالكتابية في دار الكفر يعود على هذه الضرورة بالنقض ، إما دين الزوج المسلم وإما دين ذريته ، وإما دينه ودين ذريته (2) .
و لعل في هذه الأمور مقنعًا لمن يريد الحق والعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى .
الضرورة تقدر بقدرها:
إذا كان حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر هو التحريم لما مضى من المفاسد المترتبة عليه ، فما حكم المشقة المترتبة على تحريمه بالنسبة لمن يضطر إلى السكن في دار الكفر من أصناف المسلمين الآتية ؟
صنف السفراء والموظفين التابعين لهم:الذين تندبهم حكومات الشعوب الإسلامية للقيام بمصالحها في تلك الدول .
صنف الطلبة:الذين يبتعثون لأخذ العلوم التي لا غنى لبلادهم عنها ، وهي لا توجد في بلادهم .
صنف بعض المسلمين الذي يؤذون في بلادهم:بالاعتداء على دينهم أو أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم أو تلك الأمور مجتمعة ، من قبل حكام بلادهم الظلمة بسبب مخالفتهم لهم في بعض تصرفاتهم المخالفة للإسلام ، أو بسبب بعض الاتجاهات السياسية المختلفة ، ولا يجدون من يأذن لهم بالهجرة إلى بعض البلدان الإسلامية ، فيضطرون إلى الانتقال إلى بعض بلاد الكفر التي يحصلون فيها على أمن نسبي ، كما هو الحال في بلدان الغرب ، كالدول الأوربية الغربية ، والولايات المتحدة الأمريكية وكندا ونحوها .
صنف المسلمين الذين هم أصلًا من بلاد الكفر: