قلتُ: ويؤكد هذه الكراهة ما يترتب على العقد من غش للمرأة التي جهلت نية الرجل، وخداعها، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول: (من غش فليس مني) (284) ، وكان سفيان بن عُيينة يكره تفسير الحديث، ويقول: (نمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر) (285) .
فهل يرضى هذا العمل أحدٌ لبناته أو أخواته أو... فإذا كنا لا نقبله لأنفسنا فكيف نقبله لغيرنا، وقد جاء لفظ النبي صلى الله عليه و سلم: (من غش) على سبيل العموم، فشمل كل غش، وقد أجمع العلماء على تحريم الغش (286) .
ثم إن عملًا كهذا يضر بسمعة الإسلام في مجتمعات مخالفيه، فيُشاع عن المسلمين أنهم قوم لا أخلاق لهم، وفي هذا من الضرر بالدعوة ما لا يخفى على كل ذي لب.
وإذا خشي المرء على نفسه الضياع، فلينو الدوام وهذا الأصل، فإن طرأ بعد ذلك طارئ شرعي فليلجأ إلى التسريح بإحسان.
-حكم صلة المشركين
-حكم إلقاء السلام على الكافرين والرد عليهم والقيام لهم
-حكم مصافحتهم ومعانقتهم وتهنئتهم وشهود أعيادهم
-حكم عيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وتعزيتهم
-حكم زيارتهم لتفقد أحوالهم
-حكم تكنيتهم وقبول هديتهم والإهداء إليهم
-عورة المرأة المسلمة بالنسبة للمرأة الكافرة ولأقاربها الكفار
-حكم اقتناء الكلب
الإنسان مدني بطبعه، ينزع بفطرته إلى العيش ضمن جماعة يتفاعل معها، فينشأ عن ذلك ألوان من المواقف الاجتماعية.
ولما كان التشريع الإسلامي شاملًا مستوعبًا لشؤون الحياة كلها، فقد حوى طائفة من التشريعات في هذا المجال، ليكيف المسلم حركته بها، ويضبط سلوكه وِفْقَهَا.
والمسلم يتعامل مع غيره وفق عقيدته، وقيمه، وتصوراته المستمدة من دينه. وأن ما يحمله، أو يجب أن يكون عليه من قيم عالية، وأخلاق سامية، وفكر إصلاحي، هو المنبّه لسلوك الآخرين وتصوراتهم، والذي قد يتبعه تأثير في مواقفهم، أو صدور استجابة منهم، ولا سيما أنه يعيش في مجتمعات لا تستمد تشريعاتها من وحي السماء المعصوم، بل من اجتهادات البشر التي لا تنفك عن التناقض والاضطراب وسطحية النظر.
ونحن في هذا المبحث المهم قد اقتصرنا على أهم مسائله، وعليه فقد جاء على شكل فروع وتساؤلات.
الفرع الأول: حكم صلة المشركين
الأصل في ذلك قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: 8) .
ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، وقالوا في تفسيرها ما يلي:
ففي الطبري: (وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتقسطوا إليهم، أن الله عمّ بقوله مَن كان ذلك صفته، فلم يخص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال ذلك منسوخ) (287) .
وفي القرطبي: (هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين، ولم يقاتلوهم، أن يبروهم ويقسطوا إليهم، أي يعطونهم قسطًا من أموالهم على وجه الصلة) (288) .
وفي ابن كثير: (لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، وتحسنوا إليهم) (289) .
يؤخذ من مجموع ما قيل في تفسير الآية، أن صلة الكافر وبره والإحسان إليه جائز، شرط أن يكون مسالمًا غير محارب، وصِلة غير المسلم والإحسان إليه من مكارم الأخلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (290) ، (فعرفنا أن ذلك حسن في حق المسلمين والمشركين جميعًا) (291) .
وتتأكد هذه الصلة إذا كانت لرحم، فقد جاء في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه و سلم (أذن لأسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها وهي مشركة) (292) .
حكم إلقاء السلام على الكافرين والرد عليهم والقيام لهم
أولًا: حكم إلقاء السلام:
ذهب جمع من السلف إلى جواز إلقاء السلام على المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، وقد فعله ابن مسعود وقال: إنه حق الصحبة. وكان أبو أمامة لا يمر بمسلم ولا كافر إلا سلم عليه، فقيل له في ذلك، فقال: (أمرنا أن نفشي السلام) (293) . وبمثله كان يفعل أبو الدرداء.
وكتب ابن عباس لرجل من أهل الكتاب: (السلام عليك) (294) ، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: (لا بأس أن نبدأهم بالسلام) .
وذهب جمع آخر إلى المنع من إلقاء السلام على الكافرين، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه و سلم: (لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام) (295) .
وقالوا: في الحديث دليل على تحريم ابتداء المسلم لليهود والنصارى بالسلام، لأن ذلك أصل النهي، وهو قول جمهور أهل العلم (296) .
قال ابن حجر: (والأرجح من هذه الأقوال كلها ما دل عليه الحديث، ولكنه مختص بأهل الكتاب) (297) .
قلت: لكن النهي عن مبادرة أهل الكتاب بالسلام، معلل بكونهم يردون بـ (وعليكم السام) يعني الموت.