ويمتنع الإحصان أن يكون بمعنى الإسلام في هذا الموضع، لأن الآية قد نصت على نساء أهل الكتاب (من قبلكم) .
ويمتنع أيضًا أن يكون النكاح، لأن ذات الزوج لا تحل، فلم تبق إلا الحرية، والعفة. فاللفظة تحتملهما.
وقد اختلف أهل العلم بحسب هذا الاحتمال إلى فريقين:
الفريق الأول: وهم المذاهب الثلاثة الأوائل فقد قالوا:
إن المراد بالآية الحرائر دون الإماء، وأجازوا نكاح كل كتابية حرة، عفيفة كانت أو فاجرة.
قال الطبري: (وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا قول من قال: عَنى بقوله تعالى:(والمحصنات من الذين أتوا الكتاب) حرائر أهل الكتاب... فنكاحهن حل للمؤمنين، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذمية كانت أو حربية) (272) .
وقال الحنفية: (وحل تزويج الكتابية العفيفة عن الزنا، بيانًا للندب لا أن العفة فيهن شرط) (273) .
الفريق الثاني: ذهب إلى أن المراد بـ (المحصنات) العفيفات، وحرموا نكاح البغايا من الكتابيات.
وهو قول عمر، وابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، والشعبي، والضحاك، والثوري، والسدي، والحسن، والنخعي، وهو قول الحنابلة، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي (274) ، وجماعة من المعاصرين (275) .
ويترجح لديّ القول الأخير، وهو أن المراد بالمحصنات: العفيفات، لعدة أدلة:
أولًا: لأن الله تعالى أباح لمن لم يجد الطَوْل (اليسار والغنى) ، أن ينكح الأَمَة المؤمنة المحصنة، بقوله: (ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات(الحرائر) المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتيكم المؤمنات)، ثم قيّد سبحانه تلك الفتيات المؤمنات بقوله: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) (النساء: 25) .
ومعنى الإحصان هنا العفة، إذ غير ذلك من معاني الإحصان بعيد. والمسافحات هنا: الزانيات اللواتي هن سوق للزنا.
ثانيًا: أن الله تعالى شنّع على ناكحي الزانيات بقوله: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (النور: 3) .
حتى إن ثلة من العلماء ذهبوا إلى القول بحرمة نكاح الزانية ولو مسلمة، قبل إعلان توبتها. فكيف إذا كانت تلك المومس الفاجرة من أهل الكتاب؟
ثالثًا: صح أن حذيفة تزوج يهودية، فكتب إليه عمر أن خلّ سبيلها، فكتب إليه حذيفة: إن كان حرامًا خليتُ سبيلها. فكتب إليه عمر: إني لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات (الفاجرات) منهن (276) .
رابعًا: أن الله سبحانه وتعالى ذكر الطيبات في المطاعم، والطيبات في المناكح في الآية (المائدة: 5) . والزانية خبيثة بنص القرآن.
ويمكن القول: إنه على الرغم من أن إجماع الأمة قد تمّ على حل الكتابية من حيث الجملة، إلا أن الإجماع أيضًا قد وقع على أن نكاح المسلمة أفضل بكثير من نكاح الكتابية، بل هي أولى لتمام الألفة من كل وجه، إذ أنها تشاركه عقيدته، وفكره، ومنهجه، فتعينه على طاعة ربه، تذكّره إذا نسي، وتشحذ همته إذا قصر، وتخوّفه بالله إذا همّ بمعصية، وتكون له نعم الشريك في إعداد الجيل، فإذا بنى أكملت وحسّنت، وإذا غاب عن بيته اطمأن له ولأسرته، وقامت هي بالمهمة كاملة.
وفي أفضلية نكاح المسلمة يقول الله تعالى: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) (البقرة: 221) . ويقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (التوبة: 71) . ويقول النبي صلى الله عليه و سلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) (277) .
المطلب الثاني: حكم النكاح المؤقت نية دون إظهاره
وصورة هذا النوع: أن رجلًا تغرّب عن دياره ولم ينو إقامة طويلة في تلك الديرة، وفي الوقت ذاته خاف على نفسه من المغريات الجنسية، فنكح امرأة بنية الأجل، ولم يصرح لها بذلك، فما حكم هذا النكاح؟
جاء في شرح الموطأ للزرقاني: (وأجمعوا على أن من نكح نكاحًا مطلقًا، ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها، أنه جائز ليس بنكاح متعة) . وقال الأوزاعي: (هو نكاح متعة ولا خير فيه.. قاله عياض) (278) .
وقول الجماهير فيما إذا لم تفهم المرأة المراد نكاحها مقصود الرجل، فإن فهمت مراده فعند المالكية قول بالبطلان (279) .
قلت: لا يضر علمها بالنية، سواء كان قبل النكاح أم بعده، بشرط ألا يصرح لها، لأن الرجل قد ينكح ونيته أن يفارقها، ثم يبدو له فلا يفارقها.
وعند الشافعية: (وإن قدم رجل بلدًا، وأحب أن ينكح امرأة ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد، أو يومًا أو اثنين أو ثلاثة، كانت على هذا نيته دون نيتها، أو نيتها دون نيته، أو نيتهما معًا دون نية الولي، غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقًا لا شرط فيه، فالنكاح ثابت ولا تُفسد النية من النكاح شيئًا، لأن النية حديثُ نفسٍ، وقد وُضع عن الناس ما حدّثوا به أنفسهم) (280) .
وفي المذهب عند الشافعية: كراهة ذلك، لأنه لو صرح لبطل النكاح (281) .
وفي المغني: (وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم وأنه لا بأس به، ولا تضر نيته) (282) .
وقد ذهب إلى القول بالكراهة المالكية والشافعية.
قال مالك: (ليس هذا من الجميل ولا من أخلاق الناس) (283) .