تلك المشاهد التي لاعبت قلب ذلك الرجل المسلم هي نوع من الاختبار. هي الفتنة فهل ينجح المسلم والمسلمة في هذا الامتحان حينما تعرض تلك الفتن بأنواعها وألوانها ومغرياتها فيقف أمامها كأنه طود شامخ خاصة والله - تعالى - أكرمنا بجوارح نميز بها بين الخير والشر وعند عرض هذا البلاء على النفس ينتصر الإنسان على غلبة الهوى... عندها يتميز من بين الركام العظيم فيكون مسلمًا حقًا حقًا. وتعلو نفسه ويهدأ أنينه ويحفظ عفافه. وفقنا الله وإياكم لذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن الغربة الحقيقية إنما هي غربة اللحد والكفن، فهل تذكرت انطراحك على الفراش، وإذا بأيدي الأهل تقلبك، فأشتد نزعك وصار الموت يجذبك من كل عرق، ثم أسلمت الروح إلى بارئها، والتفت الساق بالساق، ثم قدموك بعد ذلك ليصلي عليك، ثم أنزلوك في القبر وحيدا فريدا، لا أم تقيم معك، ولا أب يرافقك، ولا أخ يؤنسك.
وهناك يحس المرء بدار غريبة ومنازل رهيبة عجيبة، وفي لحظة واحدة ينتقل العبد من دار الهوان إلى دار النعيم المقيم إن كان ممن تاب وأمن وعمل صالحا، أو ينتقل إلى دار الجحيم والعذاب الأليم إن كان ممن أساء العمل وعصى المولى - جل وعلا -.
لقد طويت صفحات الغرور، وبدا للعبد هول البعث والنشور، مضت الملهيات والمغريات وبقيت التبعات.. فلا إله إلا الله من ساعة تطوى فيها صحيفة المرء إما على الحسنات أو على السيئات، ويحس بقلب متقطع من الألم والحسرة على أيام غفل فيها كثيرا عن الله واليوم الآخر، فها هي الدنيا بما فيها قد انتهت وانقضت أيامها سريعا، وها هو الآن يستقبل معالم الجد أمام عينيه، ويسلم روحه لباريها، وينتقل إلى الدار الآخرة بما فيها من الأهوال العظيمة. في لحظة واحدة أصبح كأنه لم يك شيئا مذكورا… فلا إله إلا الله من ساعة ينزل فيها الإنسان أول منازل الآخرة ويستقبل الحياة الجديدة، فإما عيشة سعيدة، أو عيشة نكيدة والعياذ بالله.
ولا إله إلا الله من دار تقارب سكانها، وتفاوت عمارها، فقبر يتقلب في النعيم والرضوان المقيم، وقبر في دركات الجحيم والعذاب الأليم، فهو ينادي ولكن لا مجيب، وهو يستعطف ولكن لا مستجيب.
ثم يأتي بعد ذلك اللقاء الموعد واليوم المشهود، اليوم الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون، وصاح الصائح بصيحته فخرج الموتى من تلك الأجداث وتلك القبور إلى ربهم حفاة عراة غرلا، فلا أنساب، ولا أحساب، ولا جاه ولا مال،
(فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) المؤمنون: 101-104
إنه اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، إنه اليوم الذي تتبدد عنده الأوهام والأحلام، إنه اليوم الذي تنشر فيه الدواوين وتنصب فيه الموزاين، إنه اليوم الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، واليوم الذي يود المجرد لو يفتدي فيه من العذاب ببنيه وصحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه.
عبد العزيز بن ناصر الجليل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
إن البدء بالحديث عن هذه الفتنة يأتي من كونها نتيجة تراكم مجموعة من الفتن تنشأ الغربة بسببها، ويحسن بنا في بداية الكلام عن هذه الفتنة أن نتطرق لحديث الغربة والغرباء الذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عدة طرق، ثم نعرج على كلام السلف في شرحهم لهذا الحديث، ونختم الموضوع بذكر بعض مظاهر الفتنة في عصور الغربة وخاصة في زماننا اليوم.
روايات حديث الغربة:
1-عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء) قال: قيل:ومن الغرباء؟ قال: (النّزّاع من القبائل) (1) .
2-عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ غريبًا؛ فطوبى للغرباء) قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: (الذين يُصْلِحون إذا فسد الناس) (2) .
3-عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) (3) .
4-عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ونحن عنده: (طوبى للغرباء) فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: (أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) (4) .