فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 830

هي قاعدة قد لا تكون صياغتها على هذا النحو واردة في القواعد الأصولية، ولكنها في روحها ومقاصدها مستروحة من جملة من القواعد والمبادئ الأصولية، والمعني بها أن المجتهد الفقهي إذا عرض عليه وضع من أوضاع المسلمين كان جاريا على بنائه العام نسق مخالف لمقتضيات الشرع وأحكامه، وهم في ذلك الوضع لا يملكون إمكان تغيير النسق الجاري عليه لسبب أو لآخر من الأسباب، فإنهم إذا عرض لهم ما قد تتحقق به مصلحة بحسب ظروفهم مما هو ممنوع شرعا يجوز أن يفعلوه طالما أنهم لا يستطيعون تغيير نسقه العام المندرج فيه، وهو ما لا يجوز لهم فعله لو كانوا يملكون القدرة على تغيير نسقه المندرج فيه.

ومن البين أن هذه القاعدة تختص بمجال ما يحل من الأفعال بالإحلال، أما ما لا يحل بالإحلال فإنها لا تصح فيه؛ وذلك لأنه لا تكون فيه مصلحة معتبرة أصلا.

ومما استروحت منه هذه القاعدة ما ورد في المدونة الأصولية من قواعد ذات مقاصد مشابهة، وذلك مثل قاعدة ما عمت به البلوى، وقاعدة يغتفر في الانتهاء ما لا يغتفر في الابتداء، وغيرهما من القواعد المشابهة، وما نظن التصرف النبوي مع الأعرابي الذي تبول في المسجد إذ نهى أصحابه عن أن يزرموه إلا تصرفا مؤسسا لهذه القاعدة، كما لا نظن ما ذهب إليه الأحناف من القول بجواز التعامل بالعقود الفاسدة في دار الحرب إلا مستروحا أيضا من روح هذه القاعدة في صياغتها التي أوردناها بها.

وفي أحوال الأقليات المسلمة بالديار الأوربية مجال واسع لتطبيق هذه القاعدة في النظر الفقهي المتعلق بها؛ ذلك لأن هذه الأحوال في شطر كبير من جوانبها الاجتماعية خاضعة لقوانين الوضع بسلطان الدولة الملزم، وليس لهذه الأقلية المسلمة القدرة على تغيير تلك القوانين، ولا حتى الحق في المطالبة بتغييرها في بعض الأحيان، ولكن بعضا من تلك القوانين المنضوية تحت المنظومة القانونية العامة بالرغم من أنها من حيث ذاتها في وضعها المجرد تخالف الأحكام الشرعية، إلا أن العمل بمقتضاها قد تحصل به للمسلم مصلحة معتبرة، فيجوز له إذن أن يعمل بها بالرغم من أنه ليس ملزما بذلك العمل وإنما هو مختار فيه. ومثاله ما ذهب إليه بعض الفقهاء المحدثين من إجازة الاقتراض بالفائدة لأجل شراء المساكن بالبلاد الأوربية، طالما تحققت من ذلك الاقتراض مصلحة بينة، وطالما كان المقترض المسلم وكل المسلمين معه غير قادرين على تغيير النظام الربوي الذي تقوم عليه الحياة الأوربية. ولهذا المثال نظائر كثيرة تمثل مجالا فسيحا لتطبيقات هذه القاعدة.

مثل هذه المبادئ والقواعد الأصولية، ما يكون منها مأخوذا بصيغته من مدونة أصول الفقه، وما تستروح له صياغة جديدة من معان ومقاصد وأسرار مبثوثة في تلك المدونة، إذا ما عولجت بمعالجة علمية جادة، توجهها المبادئ المنهجية المقصدية الآنفة البيان، فإنها يمكن أن تتألف منها منظومة متكاملة ذات غاية مشتركة تلتقي فيها جميعا عند هدف التأسيس لمنهج أصولي متميز ومتخصص يكون منهجا علميا شرعيا يعتمده النظر الفقهي في شأن الأقليات المسلمة، لينشأ منه فقه يعالج ذلك الشأن معالجة تبلغ به الآمال المعلقة عليه تعريفا بالإسلام في الديار الغربية فيما يشبه دورة جديدة للتعارف الحضاري بين الإسلام والغرب، ولكنها دورة تتأسس على أسس علمية، هي هذه القواعد الأصولية المنهجية التي تؤسس لفقه الأقليات، وهي في الحقيقة تؤسس لتبليغ الإسلام بالدعوة الحضارية السلمية.

ولو ترك الأمر في هذا الشأن عفوا يجري على غير تأصيل علمي، ويقتصر على الأحكام الشرعية الجزئية والفتاوى العارضة التي تستنبط من القواعد الأصولية العامة في غير توجيه خاص، لكان قاصرا دون تحقيق هذا الهدف الأسمى، بل ولأدى الأمر مع اتساع الوجود الإسلامي بالغرب إلى مضاعفات قد تنفلت بها مظاهر من هذا الوجود إلى ما هو مخالف لمقاصد الدين ومناقض لمصلحة الإسلام والمسلمين والمجتمعات الغربية، وذلك تحت تبريرات دينية ولكنها تبريرات خاطئة بسبب عدم التأصيل، وهو ما لا تخطئ عين الناظر عينات منه قد تتنامى مع الأيام، ولكان ذلك تفريطا في فرصة عظيمة للتعارف هيأها الله تعالى للدعوة إلى الإسلام والشهود على الناس من حيث لا يتوقع أهلها.

محمد عبدالقادر » خالد محمد عبدالقادر

* ولد في شمالي لبنان ، سنة 1961م.

* درس في المعهد الشرعي بمدينة حمص السورية.

* حصل على الثانوية الشرعية من المعهد الديني بدولة قطر، سنة 1981م.

* حصل على البكالوريوس في الشريعة من جامعة قطر، سنة 1985م.

* نال درجة الماجستير في الشريعة من كلية الامام الاوزاعي في بيروت ، سنة 1994م، عن رسالته:"الاحكام الشرعية لمسلمي البلاد غير الاسلامية".

* أنهى اعداد رسالة لنيل درجة الدكتوراة في الشريعة بعنوان:"ابن تيمية بين المذهب والاجتهاد".

* له تحت الطبع:

-ابن تيمية ..رد مفتريات ومناقشة شبهات.

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت