هذا في الخارج.. أما في الداخل، فقد أثبتت المجتمعات الغربية عجزها عن الانفتاح على الآخر الديني والعرقي الذي بين ظهرانيها؛ وهي اليوم تضيق به وتنوء ببعض الملايين من السود الذين جلبتهم عبيدا عملوا في مصانعها ومزارعها وموانئها، واستغلت طاقتهم في بناء مؤسساتها، وراكمت بجهودهم ثرواتها الطائلة. كما هي أيضا تضيق ببعض الملايين من الآسيويين والمغاربة والأتراك وغيرهم من العمال - الذين جلبتهم كأشباه عبيد أو أنصاف عبيد - أعادوا بناءها بعد ما دمرت ذاتها في حربين مدمرتين.
وبالرغم من أن معظم أبناء الأقليات لم يفرضوا أنفسهم على المجتمعات الغربية، فهم إما جلبوا إليها بالرغم من أنوفهم عبيدا قبل قرون، أو جلبوا بتشجيع وموافقة من الحكومات الغربية التي كانت تبحث في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عن اليد العاملة التي تحرك اقتصادها، وتعيد بناء ما دمرته حروبها.. فإن هؤلاء"الضيوف"- وبعد انتهاء الحاجة إليهم - قد صار وجودهم ثقيلا على قلوب هذه المجتمعات.
إن المجتمعات الغربية - التي تعاملت وتتعامل بلا أخلاق مع الأجانب وأبناء الأقليات لديها -تنظر لهذا"الآخر"وكأنه مجرد آلة توظف في تشغيل عجلة الاقتصاد الغربي، حتى إذا انتهت الحاجة إليها رمي بها كما يرمى بأي آلة تالفة عسر إصلاحها، أو انتهت مهمتها.
إن في رقبة المجتمعات الغربية دينا كبيرا تجاه السود، الذين جلبتهم عبيدا واستغلتهم أبشع استغلال. وتقدر"لجنة تعويضات العالم الإفريقي واستعادة الحقيقة"أن دين الأفارقة السود على المجتمعات الغربية يبلغ ما لا يقل عن 777 تريليون دولار تعويضات عن الاضطهاد والمعاناة والاستغلال، الذي تعرضوا له طوال القرون الماضية.. وهي تعتبر هذا التقدير مجرد تقدير جزافي، لا يرقى بحال من الأحوال إلى التعويض الحقيقي عن ممارسات حقبة استنزاف موارد القارة البشرية عبر خمسة قرون من عمرها، خاصة إذا ما قورنت تلك التعويضات المطلوبة بما تطالب به الجماعات اليهودية اليوم العالم الغربي من تعويضات..
لكن العالم الغربي - الذي عليه كل هذا الدين، وهو دين لو أعيد إلى أصحابه لأفلست معظم المجتمعات الغربية - نراه اليوم يضيق بمجرد وجوده الأفارقة السود لديه، وتتنامى في أرجائه الحركات العنصرية التي تستهدف ترحيل هؤلاء الأجانب.. بالرغم من أنهم من مواليد هذه الأرض منذ نحو 5 قرون كاملة.
ويصدق نفس الشيء على معظم المهاجرين الآخرين، الذين جاء أكثرهم بعد الحرب العالمية الثانية، وأعادوا بناء ما دمرته تلك الحرب.. واليوم يجازون بالكراهية والتهميش وربما الطرد بنفس الطريقة، التي يجازى بها الأفارقة السود الذين تمتلئ بهم السجون والمعتقلات في معظم العواصم الغربية.
إن الحركة العنصرية تعكس في الواقع أحط ما في الضمير الغربي من انتهازية وجشع و... وتثبت أن المجتمعات الغربية - التي بنت جنتها على حساب الآخرين وبعرقهم ودمائهم ودموعهم - لا تعترف بالآخر ولا تبالي به؛ ولا يمثل لديها سوى موضوع للاستغلال، ومصدر لرفاهية الأنا المتضخمة والمريضة بعقد التفوق على العالمين..
إنها بقايا الموروث الغربي السحيق اليوناني واليهودي المسيحي في النظر للأنا - باعتبارها"شعب الله المختار"أو العنصر النقي الأقوى والأصلح للحياة - كما يذهب إلى ذلك شارل داروين، الذي برر الاستعمار الغربي لمختلف قارات العالم.. أما النظر للآخرين، فباعتبارهم"البرابرة"و"الهمج"أو الكائنات الدنيا رقيا وتطورا في سلم الحضارة.. وهذا هو الوجه الأبرز للسقوط الأخلاقي للغرب كدول ومؤسسات، لا كشعوب أو أفراد.
جاكرتا - صهيب جاسم - إسلام أون لاين.نت