فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 830

لقد كشفت دراسة - أعدت في بريطانيا عن قطاع الصحة لم تنشرها الحكومة البريطانية بعد، بالرغم من مرور نحو عام على استلامها - عن أن أكثر من 50.4 في المائة من الأطباء والممرضين السود وأبناء الأقليات العرقية العاملين في قطاع الصحة البريطاني قد تعرضوا لممارسات عنصرية من زملائهم، ومن مرضاهم ومن عامة الناس.

وأثبتت الدراسة: أن المسؤولين المباشرين على أولئك الضحايا لم يأخذوا مأخذ الجد شكاواهم من الممارسات العنصرية - التي تعرضوا لها - وأن المسؤولين عن قطاع الصحة لم يأخذوا ما يكفي من الإجراءات لمواجهة مرض العنصرية العضال الذي ينوء به هذا القطاع.

وتكشف هذه الدراسة - في ما تكشف - بطلان تبرير العنصرية بكسل الأجانب وانحطاطهم وعيشهم مثل الطفيليات على حساب الغربيين البيض، كما يصور البعض. فالنجاح في العمل وربما التفوق فيه، والعمل في مهن محترمة - مثل مهنة الطبابة - ليست كافية للنجاة من العنصرية، ما دام اللون والعرق هو المحدد في السلوكيات العنصرية، وليس مدى النجاح الذي يحققه الأجنبي في البلاد الغربية.

إنه بالرغم من المسؤولية الأكيدة لعدد من الأجانب أو أبناء الأقليات في تغذية العنصرية ضدهم، فإن أسباب العنصرية عميقة - وليست مجرد رد فعل على سلوكيات الأجانب ومنافستهم للأوروبيين في الوظيفة، أو عيشهم على حساب دافعي الضرائب؛ بل ترجع إلى أسباب أعمق من هذه الأسباب أو الظواهر التي هي في الواقع نتائج للعنصرية أكثر من أن تكون أسبابا لها.

إن أكثر السلوكيات السيئة الصادرة من الأجانب يمكن اعتبارها رد فعل على كيفية تعامل المجتمعات الأوروبية مع تلك الأقليات. فعمليات التهميش الاجتماعي والسياسي، وعمليات النبذ والإقصاء خارج النسق العام - التي تمارس في أوروبا والغرب عموما ضد المهاجرين وأبناء الأقليات العرقية والدينية بشكل منظم أو عفوي - يمكن اعتبارها من نتائج العنصرية ضد الأقليات. فالإقصاء والنبذ والعنصرية هي التي تولد مظاهر التطرف والجريمة والعنصرية المضادة، ويتولى الإعلام تضخيمها حتى يؤكد الصور النمطية السلبية ضد المهاجرين وأبناء الأعراق الأخرى.

فالعنصرية المضادة لدى الشباب الأسود والانخراط في عصابات الجريمة المنظمة هو رد غير واع أحيانا - وواع أحيانا أخرى - ضد قرون الاضطهاد والعبودية الراسخة في أعماق الأجيال السوداء. أما انضواء عدد من الشباب الآسيوي في بريطانيا، أو الجزائري في فرنسا، أو التركي في ألمانيا في الجماعات الإسلامية المتشددة والتكفيرية، فهو في الواقع - في كثير من وجوهه - رد فعل على تهميش هذه المجتمعات لأولئك الشباب، وسد أبواب الاندماج المهني والوظيفي والنفسي في داخل بلاد المهجر.

فالشاب الذي ولد في هذه البلاد، وحصل على جنسيتها وتربى فيها وعاش معظم عمره فيها، ولم يعرف له بلدا سواها- يفهم منه توجهه للتطرف والجريمة والعنصرية المضادة ضد المجتمعات التي تعمل على تهميشه وإقصائه. فهو يشعر أن البلد بلده - ولا بلد له سواه - يسعى للعيش فيها بشكل طبيعي؛ لكن سعيه ذاك يواجه بالتهميش والإقصاء والنبذ؛ فلا يجد سوى التطرف والعنصرية المضادة والجريمة المنظمة ردا على ذلك.

العنصرية وسقوط الغرب في امتحان الأخلاق

يزعم مؤرخو الحضارة الغربية أن هذه الحضارة هي الحضارة الإنسانية الوحيدة من بين حضارات العالم المختلفة، التي نجحت في الخروج من قوقعتها المغلقة الفكرية والأيديولوجية، واعترفت بالآخر حقيقة ووجودا، وأقامت عمادها على مبدأ النسبية وعدم امتلاك الحقيقة الكاملة؛ الأمر الذي أتاح لها الاعتراف بالتنوع والتعدد في السياق الحضاري الإنساني.

وبالرغم من أن التاريخ السياسي والعسكري والثقافي الغربي الحديث قد قام في الواقع - بعيدا عن التنظيرات الواهمة والزائفة -على منطق إبادة الآخر واستئصاله والهيمنة عليه ونهب خيراته أكثر مما قام على الانفتاح عليه والحوار والتعايش معه؛ إذ أبادت الحضارة الغربية في لحظات صعودها وهيمنتها عشرات الملايين من الهنود الحمر في القارة الأمريكية، ومثلهم من السكان الأصليين في قارة استراليا.

وقام مجد الكثير من المؤسسات المالية والعسكرية الغربية الجبارة على استعباد الملايين من الأفارقة وامتصاص دمائهم، وتحطيم مجتمعاتهم..

بالرغم من كل ذلك، لم يجد مؤرخو هذه الحضارة من غضاضة في اعتبارها الحضارة الإنسانية الوحيدة التي اعترفت بالآخر وانفتحت عليه. حتى هذا الانفتاح والاعتراف لم يتجاوز مستوى الاعتراف بالآخر - في أكثر الأحيان - باعتباره موضوعا للإبادة والهيمنة والنهب؛ وهو ما جعل الحضارة الغربية تقتل في حروبها وغزواتها الاستعمارية - التي طالت كل نقطة في الكرة الأرضية من البشر - ربما ما لم يُقتل مثله في كل الحروب في تاريخ الإنسانية الطويل الممتد عبر آلاف السنين..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت