تحريم زواج المسلم بالكافرة وتحريم زواج الكافر بالمسلمة
ومن تلكم الأحكام التي نزلت تحريم التناكح بين المسلمين والمشركين ، فلا يجوز للمسلم أن ينكح مشركة ابتداء ولا أن يمسكها في عصمته إن كان زوجه له من قبل إلا أن تسلم ، كما لا يجوز لمسلمة أن تتزوج كافرًا كذلك ، كما قال تعالى:) يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أ'لم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله بينكم والله عليم حكيم ((1) .
قال القرطبي رحمه الله:"والمراد بالعصمة هنا النكاح ، يقول: من كانت له امرأة فقد انقطعت عصمتها ... وكان الكفار يتزوجون المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات ، ثم نسخ ذلك في هذه الآية" (2) ,"وكان هذا بعد صلح الحديبية" (3) .
وفي هذا التحريم تحقيق لأمرين: الأمر الأول المفاصلة بين عباد الله المؤمنين وأعدائهم الكافرين ، والأمر الثاني تأكيد ولاء المسلمين فيما بينهم وهما أمران تواترت بهما النصوص القرآنية ، كما وردت بهما السنة النبوية ، والتطبيق العملي الذي سار عليه السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين .
وقد اتفق العلماء على تحريم زواج المسلم بالكوافر من غير أهل الكتاب ، وهن اليهوديات والنصرانيات ، وفي المجوسيات والصائبات خلاف ...
قال ابن قدامه رحمه الله:"وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم ، وذلك لما ذكرنا من الآيتين (4) وعدم المعارض لهما ، والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت ، لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه ، ففي حلها أولى" (5) .
وإذا خرجت الكتابية عن دينها إلى عبادة الأوثان صار حكمها حكم الوثنية لا يجوز نكاحها للمسلم ، وإن ادعت أنها من أهل الكتاب ، وكذلك إذا ألحدت فأنكرت الدين مطلقًا ، كما هو حال الشيوعيين في هذا العصر.
قال الخرقي رحمه الله:"وإذا تزوج كتابية فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب أجبرت على الإسلام ، فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها" (6) .
وإذا لم يجز استدامة نكاحها فالابتداء أولى بعدم الجواز .
(1) الممتحنة: 10.
(2) الجامع لأحكام القرآن _ ( 18/65) .
(3) نفس المرجع ( 18/61) .
(4) يعني آية الممتحنة وآية البقرة السابقتين .
(5) المغني (7/131) .
(6) نفس المرجع: (7/132) وراجع كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ( 7/157) .
د.عبدالقادر القادري 3/2/1423
الزواج بالكتابية - وهي اليهودية والنصرانية فقط *، على الصحيح من أقوال العلماء - وعليه فالكلام ينحصر في الآتي:
(1) حكم الزواج بالكتابية في دار الإسلام
ورد النهي صريحًا في نكاح المشركات وعدم حلهن للمسلمين في آية البقرة: ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) (1) وآية الممتحنة: ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) (2) وظاهره العموم في كل كافرة ومشركة .
وورد الإذن بحل طعام أهل الكتاب ونسائهم للمسلمين على وجه الخصوص في قوله تعالى: ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) (3) .
وعندما نزلت هذه الآيات الحاظرة أو المبيحة ، كانت الأرض تنقسم إلى دار الإسلام التي ترتفع فيها راية هذا الدين ، وتنفذ فيها أحكام الله ، وإلى دار الحرب التي بين أهلها وبين المسلمين القتال المستمر إلى أن يدخلوا في الإسلام أو يخضعوا لنظام الإسلام ويدفعوا الجزية ويبقوا على دينهم فيكونوا أهل ذمة تدخل أرضهم في دار الإسلام ،وإلا استمرت الحرب بينهم وبين المسلمين ، ولم يكن المسلمون يسكنون في دار الحرب لأن الله تعالى أمرهم بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، ونهاهم عن المقام بين ظهراني المشركين ، لا فرق بين أهل مكة - قبل فتحها - وغيرها ، والهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام باقية إلى يوم القيامة .
والمقصود من ذكر هذا هنا أن يعلم أن كلام علماء المسلمين في جواز نكاح الكتابية أو عدم جوازه إذا أطلق فالمراد به في دار الإسلام ، أما دار الحرب فإنهم يصرحون بذكر حكم الزواج فيها مقيدا بذكر دار الحرب ، ولم يكن يدخلها من المسلمين إلا الأسير أو التاجر أو الرسول ، كما سيأتي الكلام على ذلك .
مذاهب أهل العلم في حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام .
اختلفت مذاهب العلماء رحمهم الله في حكم زواج المسلم بالكتابية في بلاد الإسلام .
* المذهب الأول:
مذهب جمهور العلماء ، وهو جواز نكاح الكتابية في أرض الإسلام مع الكراهية (3) ، (4) .
أدلة الجمهور .