أخي الغريب يبعث إليك هذه الكلمات غريب مثلك يعاني ما تعاني، ويقاسي ما تقاسي. والله إن القلب ليتفطر عندما يرى حال أمة الإسلام في هذه الأيام. يكاد يشك في نفسه، يكاد يجن.. مما يرى من تمادي الباطل وانتشار الفساد إلا في قلة ممن حفظ الله. ويكاد اليأس يدب في القلوب لولا أنه يتذكر قول الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحياةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] . ويشرق في أفق الأمل حديث رسول الله الذي رواه المقداد بن الأسود: (( لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل ) ) [رواه ابن حبان] . ووعد الله آت والله معلٍ كلمته وناصر دينه ولو كره الكافرون.
اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين من يهود ونصارى ومن مجوس وحداثيين وعلمانيين، اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحداُ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] . فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3238)
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى.
أيها الأحبة، قام أنبياء الله ورسوله بأعظم رسالةٍ في تاريخ البشرية، فقد أدّوا رسالات الله وجاهدوا وصبروا وبلّغوا وبيّنوا وأعذروا إلى الله وبلغوا رسالاته رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] ، أما رسالتهم فهي الحق، الحق الذي من أظهر صفاته وضوحُه وبيانه وقوة أدلته وظهور حججه، فللحق إشراق وضياء، وللباطل ظلمةُُ وغموضُُ وخفاء، والحقُّ أبلج، والباطل لجلج، والحق أبدًا واضحُُ مبين يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ الآية [النساء:26] .
لقد أنزل الله آياته مبيّنات، وأرسل رسله بالبيّنات، وجاءت أصول ديننا الإسلامي كالشمس وضوحًا لا ينكرها أو يتعامى عنها أحدٌ، حتى اللغة التي أرسلت بها الرسل كانت بلغة أقوامهم وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] ، وكان في مقدمة هؤلاء الرسل نبينا ورسولنا محمدٌ الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين ولحق بالرفيق الأعلى بعد أن ترك أمته على المحجة البيضاء، ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا الهالكون.
ثم نقل الدين بعده أصحابه رضي الله عنهم، ففارقوا من أجل هذا البيان أوطانهم وأولادهم، وضحوا بكل غالٍ لديهم، من أرواحهم أموالهم وأعمارهم، ثم تناقل الدين العلماء المخلصون والمجددون العاملون حتى وصلنا الدين صافيًا كما أُنزل على محمد فكتاب ربنا وسنة نبينا بين أيدينا، لكن هذه الأمة التي غادرها النبي قوية، عزيزةً موحدةً على كلمة الله قائمةً بأمر الله، وبعد أن تولّت عنها الأزمنة الفاضلة نفذت إليها عوامل الضعف والترّدي كما نفذت إلى الأمم السابقة، وأثرت فيها أسباب التفرق والاختلاف والتنازع حتى أصبحت أهواءَ شتى وآراء متباينة، وفرقًا يكفر بعضها بعضًا، ويقتل بعضها بعضًا إلا من عصم الله منهم.
ولذلك فقد جاءت النصوص الشرعية من قرآن وسنة مبينة افتراق الأمم واختلافها، وكذلك التحذير الصحيح من الفتن وأسبابها ودواعيها ومبينة أثر هذا الافتراق على الأمة، وهو علامة من علامات غربة هذا الدين التي بدأ بها وسينتهي إليها.
أخي المؤمن، إذا قلبت نظرك في حال المسلمين اليوم تتبين لك غربة الدين واضحة، تراها في حال المسلمين رغم هذا الضياء لدين الله، ترى حال الأمة يؤول إلى ما أخبر عنه ، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: (( إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز إلى المسجدين كما تأرز ـ أي ترجع ـ الحية إلى جُحرها ) )رواه مسلم وغيره.
استحكمت غربة الدين في مظاهر كثيرة في واقعنا المعاصر وفي مجتمعنا الإسلامي، منها ما نشاهده في كثير من بلاد الإسلام من انحراف خطير في عقيدتهم في رب العالمين والإيمان به وتوحيده بالعبادة ومن عودةٍ إلى الوثنية وانتشار مظاهر الشرك وعبادة القبور وتقديس الأولياء المزعومين، عادت الغربة عبر مظاهر مزرية من الانحلال الخلقي في السلوك. أصبح ظاهرًا ومعلنًا ومحميًا من قبل الدول، وترعاه مؤسسات وقنوات، ويدخل إلى الأسر والبيوتات.