عادت الغربة من خلال تساهل كثير من المسلمين في كبائر الإثم ووقوعٍ في الموبقات والفواحش، عادت الغربة من خلال التفريط في العبادات وتضييع أوكد المفروضات، وجهل كبير بأحكام الحلال والحرام، وغير ذلك من الآفات والآثام، حتى صار الإسلام في نفوس كثير من المسلمين بالاسم والهوية، ليس إلا عاطفةً باردة، أو فكرةً جميلة، أو عصبيةً أو عرقيةً، أو قصةً عبر التاريخ، لا يبذل لها شيئًا يكلفه، ولا يدافع عنها بشيء يخسره، ولا يضحي لأجل الدين، وهكذا بقي ما بينه وبين الإسلام إلا اسمه الذي سمي به، أو وطنه الذي يعيش فيه، التبست لدى كثير من الناس معالم الدين ومكارم الأخلاق، وتداخلت لديهم الحدود بين الحلال والحرام، والمعروف والمنكر، إما بسبب غزوٍ فكري خارجي أو تراخٍ علمي، أو تراجع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى رفعَ في هذه الأجواء أهلُ الجهل رؤوسَهم، وشحذ أهل الجاهلية ألسنتهم وأسنتهم، وبرَوا أقلامهم ليتربصوا بالدين وأهله الدوائر.
إن من أهمِّ أسباب غربة الدين ما ذكره الله تعالى وحذرنا منه حين قال معاتبًا أهل الكتاب: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42] ، إن لبس الحق وتزيين الباطل والتغرير بالأمة ومنع الحق وحبسه عن الناس ثم سوق الباطلُ في لباسِ الخيرِ، كلُّ ذلك سبب لضياع الحق وانتشار الباطل وظهور الفساد في البر والبحر، وهذا ما بليت به الأمة، فالحق كتمه أهله من العلماء والمصلحين، إما تواكلًا وفتورًا، وإما جبنًا وخورًا، وإما جهلًا بوسائل نشره، وإما خشيةً من ذهاب بعض دنياهم، وإما طمعًا في جاه أو دنيا ينالونها بسكوتهم ويقدمون الثمن بالدين.
أليس من العار أن نرى الملايين من المسلمين يطوفون بالقبور ويتمسحون بالأوثان ويعظمون الأولياء ويقدسون الآيات في الحوزات، وقد فقدَ كثيرٌ منهم عقيدةَ الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، ويشرك بعضهم بالله الشرك الأكبر بكل وسائله، ثم لا يجد هؤلاء من العلماء في بلدانهم نكيرًا ولا توجيهًا ولا تعليمًا، بل قد يجد بعضهم أعذارًا يتعذرون لهم بها عن هذا الشرك إلا ما قلّ، فهل بعد هذا من غربة؟!
أليس من العار أن نرى العالم الإسلامي يحكم غالبه بالجبت والطاغوت، عبر قوانين وضعية يهمل فيها شرع الله ثم لا تجد من أهل العلم إلا تنديدًا واهيًا لا يسمن ولا يغني من جوع، أما أهل الباطل فمكروا كل المكر، وكادوا المكائد، وكان سلاحُهم لبسَ الحق بالباطل وتقديمُ المنكرات في ثياب التغرير والتلبيس على الأمة، وتزعموا منابر لتوجيه في الإعلام والتعليم فإذا هم دعاة على أبواب جهنم سخروا ألسنتهم وأقلامهم، وصحفهم وبرامجهم لهدم الإسلام في نفوس المسلمين، نمقوا الباطل وقدموه بأسماء مختلفة وذرائع شتى، وهذبوه حتى هان في قلوب كثير من المسلمين، أسسوا لفكر مشبوه، وجعلوا من أنفسهم مراجعَ سلوكية، ومصادر معرفية تضخُّ إعلامًا عفنًا وعلمًا إبليسيًا، ويملؤون الساحة صياحًا ونباحًا كلما تصدى متصدٍ وقاوم مقاوم محاولتهم تغريب المسلمين، مناهج ومدارس وأنظمة علمية ومنظومات فكرية.
لقد روَّج أهلُ الباطل باطلهم وخلطوا معه شيئًا من الحق حتى تقبَّله الناس وعمَّ وطمَّ وفُرض على الأمة وأصبح واقعًا محتومًا لا ينكر، أما الحق فقد شككوا فيه وسخروا من أهله ووصفوه بأقبح العبارات ورموا الدعاة إليه بأنواع التهم التي تحول بين المسلمين وبين الاقتداء بهم.
ثم حاربوا الحق جهارًا لما ضعُف ناصروه وقلّ أعوانه وسلكوا في سبيل ذلك مسالك شيطانية، وصاغوا الباطل في قوالب شتى وشخصيات مختلفة، وإذا ما دعا عالم أو طالب علم إلى تأسيس المعرفة على الإيمان وإقامة الحياة على الإسلام، وإحياء الجهاد تنظيرًا وتطبيقًا، والولاء والبراء معتقدًا، وصيانة المرأة عقلًا وقلبًا وحجابًا، نعقت تلك الغربان في صحفها وإعلامها، ورفعت عقيرتها بالتعجب تارة والتهكم تاراتٍ والتهجم على تلك الأفكار، في عالم نحِّي فيه الدين وحكم العقل وعُطلت المبادئ وأعملت المصالح وهمَّش العفاف وقُدِّم السفور والتبذل.
يقضى على المرء في أيام محنته ……حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
تراهم يتهجمون على العلماء في بعض فتاويهم ودعوتهم وهم يعلمون أنهم إنما أفتوا بالإسلام، وحكموا بالكتاب والسنة حسب اجتهادهم، ولكنهم يهاجمون الإسلام ويحاولون نقض أساساته في صورة المفتين والدعاة، تراهم يسمُّون التمسك بالإسلام أصوليةً، والجهاد في سبيل الله إرهابًا، والبراءة من المشركين تشددًا، والتخاذل للأعداء سلامًا، وتعدد الزوجات والحجاب وقوامة الرجل على المرأة عاداتٍ وتقاليد بالية، وباتوا يتحججون بكتاباتهم في الجرائد، بمسمى الحرص والوطنية ونبذ الفتنة أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ [التوبة:49] .