نحن بحاجة إلى فهم أهمية التحرر من قيد التقليد والتقديس، واستبداله بالتقدير و الاجتهاد و التجديد .. كي تستهدي عقولنا بهدي الله، وكي تتناغم الشريعة الغراء مع حركة الزمن عبر تطبيق عملي شامل، لا مجرد صندوق من الشعارات نستعين به عند التنظير، وحتى نكون في المنتصف بين اجترار الماضي وتوهم العيش فيه وتقديس التراث بلا مراعاة للواقع وفقهه، وبين الانبهار بالغرب ومحاكاتهم وتقديس حضارتهم بلا مراعاة لأصول الدين.. ونكون بعيدًا عن النظرة الأحادية هنا وهناك التي عادة ما تكون قاصرة ومنحازة ..
و بحاجة إلى اجتهادات فردية وجماعية عبر مؤسسات وجمعيات فقهية يقوم عليها علماء أجلاء من مختلف البلدان الإسلامية مشهود لهم بالعلم والفقه وسلامة الرأي والمنهج، يمتلكون أدوات التجديد وضبطه، ليحركوا بها فكرنا وعلومنا الراكدة، ويشرفوا على البحوث العلمية التي تستند إلى الكتاب والسنة، وتراعي الطريقة والعقلية المناسبة لطبيعة عصرنا، يُستفاد فيها من معطيات العصر ووسائل البحث الجديدة، ليبلوروا ويشيعوا"الأصالة المعاصرة"و"المعاصرة الأصيلة"، بعيدًا عن وطأة التناقضات التي تفرزها بعض التيارات والتوجهات الفكرية.
بقلم
حمدى شفيق
رئيس تحرير جريدة النور الإسلامية المصرية
بسم الله الرحمن الرحيم
]يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
إن الله عليم خبير[
صدق الله العظيم
(الحجرات: 13)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد ..
فإن علاقة المسلمين بالآخر هى من أهم الموضوعات المطروحة الآن على الساحة ، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة الأمريكية ، وما تلاها من احتلال القوات الأمريكية لأفغانستان ثم العراق ، وكذلك استمرار المذابح المروعة التى يرتكبها الاحتلال الصهيونى في فلسطين ، وتعرض المسلمين للمظالم والفتك والتشريد فىكشمير والشيشان وغيرهما ..
ويُثار الكثير من الأسئلة في ظل الحملات الإعلامية المسعورة ضدنا في وسائل الإعلام الغربية: ما هو مضمون علاقة المسلم بالآخر ؟ أهو الحوار والتفاهم والتبادل الحضارى ، أم هو الصراع والتربص والقتال الضارى حتى يهلك الأعجل من الفريقين ؟! وماذا يقول التاريخ عنا وعنهم ؟ وما هو وضع الأقليات الإسلامية في الخارج في ظل هذه الظروف ؟ وما هى الأحكام المنظمة لأوضاع غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية ؟ وما هى الوسائل التى يمكن من خلالها أن يسمع الآخر صوت الإسلام والمسلمين لعله يتذكر أو يخشى ؟ .
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يأتى هذا الكتاب ، وهو جهد متواضع نسأل الله أن يتقبله بكرمه وجوده وإحسانه ، وأن يغفر لنا ما كان من زلل أو تقصير، إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير .
حمدى شفيق
الفصل الأول
نظرية صراع الحضارات
لم يكن صمويل هنتنجتون هو أول من زعم وجود صراع بين الحضارات، فالحملة على الإسلام والمسلمين تعود إلى قرون ، بل بدأت مع ظهور الدعوة الإسلامية المباركة منذ 14 قرنًا من الزمان .. وتبلورت أكثر في أوقات الحروب الصليبية وحملة الإبادة الجماعية لمسلمى الأندلس ، ثم رسخت جذور العنصرية الغربية أكثر في حقبة الاستعمار الأوروبى لمعظم بلاد العالم الإسلامى .. ثم وجد الغرب نفسه بحاجة إلى ملء الفراغ الذى سببه انهيار الشيوعية وزوال خطرها باختلاق خطر آخر ؛ لأنه من الصعب بعث الحياة في فكرة أوروبا الموحدة إن لم يكن هناك خطر خارجى .. وبطبيعة الحال تستثمر الدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مثل هذه الأوضاع لسكب مزيد من البنزين على نار التعصب ضد العرب والمسلمين ، والإلحاح باستمرار وعبر وسائل الإعلام الخاضعة لنفوذهم على مقولة صراع الحضارات .. وتجدر الإشارة هنا إلى أن صمويل هنتنجتون صاحب النظرية الأشهر بهذا الصدد يهودى الديانة ، فضلًا عن علاقاته الوثيقة بدوائر المخابرات الأمريكية ، ولهذا دلالته التى لا تخفى على أحد .. كما أنه نقل النظرية عن أستاذه برنارد لويس وهو يهودى أيضًا ..