و تأمل أيها المغترب قول الحسن: لو أن رجلًا من الصدر الأول بُعِثَ اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله لئن عاش إلى المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعته أو صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله - عز وجل - وقلبه يحن إلى السلف الصالح فيتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبيلهم كان له أجر عظيم. [أخرجه الإصبهاني]
ولعلنا في زمن الغربة نسلي أنفسنا بصفات أهل الغربة التي سطرها الإمام علي - رضي الله عنه - ولعله قال هذه الكلمات في أواخر أيامه حين هجمت عليه الهموم من كل جانب، فقوم فرطوا فيه حتى أخرجوه من دائرة الإسلام وقوم أفرطوا في تعظيمه حتى عدُّوه إلهًا من دون الله يقول - رضي الله عنه-:"والله هم الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما أستوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، آه آه شوقًا إلى رؤيتهم" [رواه أبو نعيم عن كميل بن زياد]
بديع الزمان الهمذاني
وعادت ابنتي البالغة من العمر السابعة من رحلةٍ إلى الشرق العربي واستقبلتها في المطار وعانقتها، وقالت كيف حالك يا أبي؟.. ونطقت بالجواهر! لقد أجابتني بالعربية واسترسلت تقصُّ لي بعض وقائع الرحلة بالعربية.
لقد تعجبت من رحلة الشهر هذه وأثرها اللغوي. وللعلم فإني كنت أكلم ابنتي دومًا بالعربية، ولغة المنزل لغةٌ عربية ما خلا بعض المصطلحات الإنكليزية التي لا أعرف لها مقابلًا أصلًا. ولقد بذلت عائلتنا جهدها في المحافظة على العربية وتذكيتها … فمنذ نعومة أظفار الأولاد جلبنا لهم شرائط"افتح يا سمسم"وجلبنا لهم العديد العديد من القَصص العربي، وبعثناهم إلى مدارس نهاية الأسبوع لتعلم العربية والتوجيهات الإسلامية. حتى أننا (الأم والأب) عدّلنا من لهجتنا العامية ونحاول ما استطعنا استعمال كلمات فصحى أو أقرب للفصحى. ولكن.. ورغم هذا الجهد فإن ابنتي كانت تسمع منا العربية وتستجيب بالإنجليزية.
ولقد حدث أن زارنا صديق خلال سفر أولادي للمشرق واجتمع بأولاد صديقٍ لي مهاجر حالُ أولاده يشبه حال أولادي، فعاب عليهم أنهم يجيبون بالإنكليزية ورأى في ذلك انسلاخًا عن الهوية الإسلامية المتمركزة حول لغة القرآن ولام الأهل على تفريطهم ووعظَ وتفلسف. ولو رأى أولادي قبل سفرهم لنالني من التعنيف ما نال الصديق ولشعرت بالعار من قدمي إلى مفرق رأسي.
والذي أريد أن أشير إليه هنا أن تقييماتنا الاجتماعية كثيرًا ما تكون متعسفةً تنظر إلى الظاهر ولا تراعي الظرف والواقع. من هنا فإنني أرى أن أي تقييم سلبي لأولادي (قبل اللمسة السحرية والإجابة بالعربية) هو ظلمٌ لهم ولجهودنا العائلية في الحفاظ على عربيتهم. وهذا ليس اعتذارًا عن أولئك المتفرجين الذين لا يهمهم إلا أن يرطن الولد بالأعجمية، فكما قدّمت نحن من الذين بذلوا جهدا لا بأس به في تثبيت اللغة، ولكننا حكما محدودون بالوسائل المتاحة من مدارس الجالية ومدى جودتها وفعاليتها والقصص المبسط. محدودون بتوفر الكتب العربية و تعليمها لأولادنا، ومحدودون بالإنتاج المرئي والمسموع بالعربية. أي أن المسألة تتجاوز أفراد العائلات (وإن كانت لا تنفي مسؤوليتها) لتكون مسألة أمة. والتقييم المتعسف هذا ليس مشكلًا من باب أنه يظلم بعض العائلات، بل لأنه يصرف النظر عن المهمة الجماعية المطلوب أن تشارك في تحقيقها الأمة.
إن اللغة تُعتبر بعدًا حضاريًا من أبعاد أمتنا لابد أن يرعى ويخدم، والتحدي الحضاري اليوم لا يعكس نفسه فقط في الاقتصاد والسياسة بل وفي اللغة أيضا. فاللغة هي الوعاء الثقافي الذي يحتضن المشاعر والمفاهيم ويساهم في رسم نسق ثقافي للأمم، وأحد زوايا مشكلة قوة اللغة وبقائها وانتشارها هو التجديد فيها. وما يقال في الفقه عن ضرورة التجديد يمكن أن يقال في اللغة. وربما لا يشعر أحدٌ بوطأة قصور التجديد في اللغة مثل المهاجر الذي يسعى إلى تعليم العربية، وذلك أنه تعترضنا في تعليم العربية كثير من العقبات التي يمكن أن تذلله الجهود الجماعية. فإذا كان هناك وجهٌ لغوي في لفظ أو إعراب يبسط اللغة ويخفف مثلا من حالات الشذوذ، ويُدرج عددًا أكبر من المسائل تحت قاعدة عامة… فإن مثل هذا التجديد يسهل انتشار اللغة وبقائها. ومثل أي تجديد فإن هذا النوع من التجديد يمكن أن يكون اعتباطيًا يحرف اللغة وينقضها، ويمكن أن يكون تجديدا مبصرًا يزيد في نماء اللغة.