وأخيرًا: نستطيع القول بأنَّ حقيقة المُداراة أو المداهنة مبنيٌ على قاعدةٍ شرعيةٍ عظيمة، ألا وهي »قاعدة سد الذرائع«، فما كان ذريعةً لثلمِ الدين أو أهله بصفةٍ خاصة أو عامة، فهو مداهنة، وما كان ذريعةً لحفظِ الدين وأهله بصفةٍ خاصةٍ أو عامة، فهو مُداراة، ومن أوضحِ الأمثلةِ للمداراةِ تلك القصة المشهورة عن حذافة السهمي ?، حيثُ دَفع القتلُ عن أسارى المسلمين بتقبيلهِ رأس ـ النصراني الكافر ـ ملك الروم.
وختامًا: أنصحُ نفسي وإخواني من الدعاة أفرادًا وجماعات، أن يُولوا هذا الموضوع أهميةً كبيرة، وأن يصنفُ المسلمُ أقوالهُ وأعمالهُ على ضوءِ هذه القاعدة الشرعية العظيمة، حتى لا نقعُ في المداهنة، المعلوم حرمتها، ظنًا منا أنها مُداراة أو نُجازفُ في أمورٍ تعودُ بالمفسدةِ على هذا الدين أو أهله، ظنًّا منَّا أنَّ الإحجام عنها مُداهنة فنكونُ
كالمستجيرِ من الرمضاءِ بالنار.
والأمثلةُ في هذين الجانبين المتقابلين كثيرةً وكثيرة، وليس هذا محلُ ذكرها، ولا هو قصدي من هذه المقالة، بل أردتُ الذكرى والتنبيه على ضرورةِ تحديد هذين المفهومين، وإزالةِ ما اشتبك بينهما، حتى يتضحَ كلُّ مفهومٍ عن الآخر، وأنهما شيئانِ متقابلان، ولفظان متغايران لا مترادفان.
أسألُ الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يُلهمنا رُشدنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] فتح الباري: 10 / 545.
[2] فتح الباري: 10 / 545 .
[3] تفسير القرطبي 18 / 230 .
[4] في ظلال القرآن: 6 / 3658 .
[5] ذكره الترمذي بلفظ: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم) (1424) .
[6] الترمذي (1987) ، وقال: حديث حسن.
[7] تفسير القرطبي: 13 / 298 .
[8] فتح الباري: 10 / 544 (دار الريان) .
[9] فتح الباري: 10 / 545 (دار الريان) .
[10] فتح الباري: 10 / 469 (باختصار) (دار الريان ) .
[11] روضة العقلاء: ص70 دار الكتب العلمية.
[12] (العيوب) كذا بالأصل ، ولعل الصواب هو: ( العيون ) .
[13] الروح ص: 231.
حامد بن عبد الله العلي
الحمد لله الذي أمر بالإيمان وموالاة المؤمنين، وبالبراءة من الكفر والكافرين، أشهد أن لا إله إلا هو ولي المتقين، قرن التوحيد بأصل الولاء والبراء، فلا يقبل الأول إلا ومعه الثاني.
واشهد أن محمدا صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم عبده ورسوله، القائد الرباني، المبعوث بجمع الناس على المبدأ الإيماني، والبراءة من كفر كل كافر وثني أو مجوسي أو يهودي أو نصراني.
أما بعد: فيا عباد الله، قد عظم الله - تعالى -أصل الولاء والبراء في الدين، أي موالاته ومولاة المؤمنين به، وتكفير ومعاداة الكافرين به وجهادهم، غاية التعظيم، حتى قرنه بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام.
فأصل دين الإسلام قائم على إفراد الله بالعبادة، وما العبادة سوى توحيد المحبة المقتضي الخضوع بالطاعة، ومحبة الله - تعالى -تتجلى في موافقته بحب ما يحب من الأقوال والأعمال والأعيان والأمكنة والأزمنة..وما سوى ذلك، وموافقته فيما يبغض من الأقوال والأعمال والأعيان وما سوى ذلك.
قال ابن القيم:
ليس العبادة غير توحيد المحبة مع خضوع القلب والأركان
والحب نفس وفاقه فيما يحب وبغض مالا يرتضي بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره والقصد وجه الله ذي الإحسان
فإذًا معنى الولاء والبراء، أن توالي الله - تعالى -فتوالي أولياءه، وتتبرأ من أعداءه، وتحب ما يحب، وتبغض ما يبغض، وقد صح في الحديث (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) رواه أبو داود من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه -.
وقد جاء تقرير هذا الأصل العظيم، أصل الولاء والبراء، على أنحاء:
فأولا: أمر الله - تعالى -المؤمنين أن يوالي بعضهم بعضها:
قال الحق - سبحانه: (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون ) ) [سورة المائدة: 55] .
ثانيا: نفى الإيمان عمن يوالي أعداء الله:
قال - تعالى: (( كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قوي عزيز، لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها - رضي الله عنهم - ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون ) ) [سورة المجادلة: 21-22] .
وقد بين الله - تعالى -هنا، أن كل من يرضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين فعاقبته الفلاح؛ كما قال أيضا: (( ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون ) )" [تفسير القرآن العظيم: 2/105] ."
ثالثا: تبرّأ ممن يوالي الكافرين من دون المؤمنين:
فقال - عز وجل: (( لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) ) [سورة آل عمران: 28] .