فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 830

وعندي -في هذا المقام -نصيحتان، أوجه أولاهما لهذه المرأة النصرانية وأنا ألمس من سؤالها العقل ومحبة الطهر والعفاف -ألا تصر على الذهاب إلى الكنيسة. ونصيحتي الثانية لهذا الرجل المسلم أن يحرص ويحاول إقناعها بعدم الذهاب إلى الكنيسة لهذا الغرض، ويسمح لها بالذهاب إليها بعد ذلك لو رغبت ويعرفها على الدين الإسلامي بخلقه وسلوكه وتعامله أكثر من الكلام والقراءة بالكتب، وأقول له: إن أصرت الزوجة على عقد الزواج بالكنيسة أو تعطيل الزواج أصلًا فلا حرج عليك في الذهاب معها إلى الكنيسة بشرط أن تعتقد في قلبك بأن ذهابك ليس لشرعية العقد، وإنما هو مجرد إجراء من الإجراءات المدنية البحتة، ولا علاقة للحل والحرمة بذلك.

تقييم:

أ.د. عبد المجيد النجار

تمهيد:

جاءت شريعة الإسلام حاكمة على حياة الناس في كل ظرف زماني ومكاني كانوا فيه، وفي كل الأحوال التي يكونون عليها، تطبيقا في ذلك لنص من نصوص الوحي، أو لاجتهاد من اجتهادات العقول وفق إرشادات الدين وتوجيهاته العامة، وعلى منهج للاجتهاد ضُبطت قواعده وأصوله في علم أصول الفقه ليكون هاديا للعقل في تحري مراد الله تعالى، المبين للناس على وجه التفصيل أو على وجه الهدي العام، إذ تعبد الله تعالى عباده بأن يتحروا مراده قدر طاقاتهم، وأن يخضعوا لذلك المراد في كل حياتهم.

وإذا كانت تعاليم الدين الحنيف قد تناولت بالبيان في شؤون الإنسان كل مناحي الحياة، فإنها لم تكن على سواء في ذلك التناول من حيث التفصيل والإجمال. فبعض تلك الشؤون فُصل البيان فيها تفصيلا، بينما أُجمل في شؤون أخرى إجمالا، صدروا في ذلك عن حكمة إلهية لعل من بعض وجوهها توافق التفصيل مع ما هو ثابت لا يتغير من وجوه الحياة، ومع ما هو خارج نطاق الاجتهاد العقلي في تحري المراد الإلهي مما يختص الوحي وحده ببيانه، وتوافق الإجمال مع ما هو متغير من أحوال الناس مما يحتاج إلى تدبير العقل في سبيل توفيق منقلبات أوضاعه إلى هدي الدين ومقاصده.

والناظر في عموم تعاليم الدين، وفي مبانيه الكلية ومقاصده العامة يجد أنه دين جاء لبناء المجتمع الإنساني وتدبير شؤونه كغاية عليا لكل تدبير جاء يتعلق بشؤون الفرد أو الفئة القليلة من الأفراد، وهو المغزى الذي انفرد به الإسلام من بين سائر الأديان، وكأنما هو مغزى مندرج ضمن الخاتمية التي أرادها الله تعالى لهذا الدين، فهي خاتمية كمال شامل بما في ذلك الكمال المتمثل في معالجة شؤون الإنسان مجتَمعا بعد معالجة شؤونه أفرادا وجماعات، وقد جاءت الدلالات على ذلك متواترة، ومنها على سبيل المثال تلك الصيغة في الخطاب الديني التي جاء بها موجها إلى جماعة الإنسان لا إلى أفراده، ومنها ذلك البعد الجماعي البين حتى في أخص مظاهر العلاقة بين الإنسان وربه من مثل الصلاة والصيام والحج، ولا غرو فإن الإسلام جاء يكلف الإنسان بمهمة الخلافة في الأرض، وهي مهمة لا ينهض بها إلا التدين الجماعي ويقصر عن أدائها مجرد التدين الفردي.

وبناء على هذا المغزى الديني القائم على المفهوم الجماعي للتدين جاءت تعاليم الدين بصفة عامة، وما يتعلق منها بوجوه التعامل بين الناس بصفة خاصة، متجهة ببيانها التفصيلي إلى مقتضى وجود جماعي للمتدينين يديرون فيه شؤون الحياة على أساس من تدينهم الجماعي، وذلك سواء فيما يشجر بين بعضهم وبعض من العلاقات، أو فيما يشجر بينهم وبين غيرهم ممن لا ينضوي تحت جماعتهم الدينية من الناس، ورتب كل ذلك على أساس أن سلطان الدين هو السلطان القيم الذي تنفذه ضمائر الأفراد فيما هو من خصائص الضمائر، والهيئة الجماعية متمثلة في الدولة فيما هو من خصائصها.

ومن المعلوم أن شؤون المسلمين لئن كان من المطلوب دينا أن تجري على هذا النحو من الوجود الجماعي الذي يخضع لسلطان الدين، فإنها قد تطوح بها الأقدار في واقع الحياة فتجري على أحوال غير تلك الأحوال، فإذا أفراد أو جماعات من المسلمين -تقل أعدادهم أو تكثر- يجدون أنفسهم في أوضاع يكونون فيها متدينين في خاصة أنفسهم أو في علاقات ضيقة تدار بينهم، ولكنهم في علاقاتهم الاجتماعية الواسعة والمتشعبة يكونون خاضعين لسلطان غير سلطان الدين، من أنظمة اجتماعية أو قانونية أو ثقافية ينخرطون فيها ويكون السلطان فيها لدين غير دينهم، وينفذه على مجموع من ينضوي تحته من لا يؤمنون بالإسلام ولا يطبقون شريعته بين الناس.

وقد كان حظ هذه الحال من أحوال الوجود الإسلامي التي قد تطوع إليها ظروف الزمان من التفصيل في بيانات الوحي أقل من حظ تلك الحال التي يكون فيها ذلك الوجود جاريا على سلطان الدين في شؤون الجماعة كلها؛ إذ جاء ما يتعلق به راجعا إلى تصرف الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة في ذلك الوضع مع المجتمع الذي انخرطوا فيه، والسلطان الذي انضووا تحته على قدر من الكلية والإجمال والهدي العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت