فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 830

و الخلاصة: أن زواج المسلم بالكتابية التي لم تخرج عن دينها إلى الوثنية أو الإلحاد ، جائز مع الكراهة إذا تزوجها في دار الإسلام ـ وهي الذمية ـ والدليل الراجح مع الجمهور الذين رأوا الجواز .

(1) أحكام القرآن للجصاص (1/333) .

(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/376 -378) .

(3) أحكام القرآن (1/332-333) .

(4) فتح الباري (9/416-417)

(5) المائدة (51)

د. عبد الله القادري 14/4/1423

حكم زواج المسلم بالكتابية الحربية

إن الآية التي دلت على جواز زواج المسلم بالكتابية لم تفرق بين أن يتزوجها في دار الإسلام أو دار الحرب ، ولكن دار الحرب تختلف عن دار الإسلام بأن الهيمنة في دار الإسلام للمسلمين الذين هم أهل الحل والعقد ، يحكمون بما أنزل الله ويظهرون شعائر الإسلام ، و احتمال ميل الزوجة الكتابية إلى زوجها المسلم وارد ، كما أن احترامها لآداب الإسلام وعدم مجاهرتها بما يخالفها أقرب ، إرضاءً لزوجها الذي تغيظه مخالفة دينه في الأخلاق وارتكاب المحرمات ، بخلاف دار الحرب التي تكون الهيمنة فيها للكفار ، لأنهم أهل الحل والعقد و الحكم فيها بقوانينهم وهي تخالف الإسلام ، والشعائر الظاهرة هي شعائر الكفر وليست شعائر الإسلام ، والأخلاق السائدة هي أخلاق الكفار ، ولهذا فإن الزوجة الكتابية في بلاد الحرب أكثر تمسكًا بعقيدتها وأخلاقها وعاداتها ، وأقل ميلًا إلى دين زوجها ، بل يخشى على زوجها أن يتأثر بالمحيط الكافر الذي يعيش فيه ، ويخشى أكثر على ذريته من التدين بدين أمهم التي تربيهم عليه ، لهذا اختلف العلماء رحمهم الله في حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب .

فقد ذكر القرطبي رحمه الله أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربًا ؟ فقال: لا يحل ، وتلا قول الله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( إلى قوله تعالى:(وهم صاغرون) (1) .

قال المحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه ـ يعني أن إبراهيم يقول بالتحريم ـ وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ،و لتصرفها في الخمر و الخنزير ) (2) اهـ .

فمذهب ابن عباس رضي الله عنه وإبراهيم النخعي تحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب ، والسبب في ذلك أن المسلم مأمور بقتال الكفار المحاربين ، وزواجه بالحربية فيه ركون إليها ، وداع إلى سكناه في دارها وهي دار الحرب ، وذلك ينافي معنى قتالها ، بل فيه تكثير لسوادهم على المسلمين بسكناه بينهم وبذريته من الكتابية الحربية ، التي قد تنشئهم على الكفر ومحبة أهله والعداوة للإيمان وأهله ، وغير ذلك من المفاسد الناشئة عن زواج المسلم بالحربية .

وقد صرحت كتب المذاهب الفقهية بكراهة الزواج بالكتابية في دار الحرب ، إلا أن منها ما تفسر الكراهة بالكراهة التنزيهية و منها ما تفسرها بالكراهة التحريمية .

فقال السرخسي- رحمه الله-"بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب فكره ذلك وبه نأخذ ، فنقول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب ، ولكنه يكره ، لأنه إذا تزوجها ثمة ، ربما يختار المقام فيهم ، وقال صلى الله عليه وسلم:"أنا برئ من كل مسلم مع مشرك لا تراءى نارهما" (3) .ولأن فيه تعريض ولده للرق ، فربما تحبل فتسبى فيصير ما في بطنها رقيقًا ، وإن كان مسلمًا ، وإذا ولدت تخلق الولد بأخلاق الكفار ، وفيه بعض الفتنة ، فيكره لهذا ..." (4) .

ورجح الفقيه الحنفي: محمد أمين الشهير بابن عابدين ، رحمه الله أن الكراهة هنا تحريمية وليست تنزيهية ، فقال: وفيه أن إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أنها تحريمية ، والدليل عند المجتهد على أن التعليل يفيد ذلك ، ففي الفتح: ويجوز تزوج الكتابيات ، والأولى أن لا يفعل .. وتكره الكتابية الحربية إجماعًا ، لافتتاح باب الفتنة ، من إمكان التعليق المستدعي للمقام معها في دار الحرب ، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر ، وعلى الرق ، بأن تسبى وهي حبلى ، فيولد رقيقًا وإن كان مسلمًا . اهـ فقوله: والأولى أن لا يفعل يفيد كراهة التنزيه في غير الحربية ، و ما بعده يفيد كراهة التحريم في الحربية ، تأمل" (5) ."

وقال في الشرح الصغير ـ في المذهب المالكي ـ:"و تأكد الكره ـ أي الكراهة ـ إن تزوجها بدار الحرب ، لأن لها قوة بها لم تكن بدار الإسلام ، فربما ربت ولده على دينها ، ولم تبال باطلاع أبيه على ذلك ..." (6) .

وقال النووي رحمه الله:"و تحل كتابية ، ولكن تكره حربية وكذا ذمية على الصحيح"وقال في الحاشية: لكن الحربية أشد كراهة منها (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت