أعود لتعنيف صاحبنا علينا لأقول أن فيه أيضا إشكالًا من ناحية الحس الحضاري المعاصر، ذلك أن تعدد الألوان والألسن من آيات الله التي لا تمحى ولم يرد الإسلام نسخها من تاريخ البشرية و واقعها. وإن الوعي الإسلامي المعاصر يجب أن يدرك هذا، فالأمة الإسلامية تمتد على شريحة واسعة من اللغات. والذي أقترحه هنا أن الإسلام لا يبغي شنّ سياسة تعريب موازية لسياسة الفرنسة في الجزائر مثلًا، وإنما الذي يبتغيه الإسلام هو جعل العربية اللغة العالمية مع المحافظة على اللغات المحلية. بل إننا إذا كنا في سياق مناقشة اللغات التي يتكلم بها العالم الإسلامي فإنه تبرز لنا مفارقة جديرة بالاهتمام: إن اللغات المحلية الإسلامية أصبحت حاملةً لمعاني إسلامية وجزءًا لا يتجزأ من هوية تلك البلاد الإسلامية. أي أن تصور تدمير هذه اللغات (الأردية مثلا) فيه تدمير للهوية الإسلامية ذاتها.
أعود إلى حالة المهاجر في الغرب لألفت النظر إلى نقطة يصعب على العرب تصورها. ذلك أن الهوية الإسلامية للناشئ في الغرب ليست مرتبطة مطلقًا باللغة العربية، بل هناك بالإضافة إليها لغة إنكليزية إسلامية (إن صحت التسمية) .. ولو زرت الجاليات المسلمة التي لا تتكلم العربية لوجدت عندهم لغة محلية"إسلامية". ولا أقصد هنا لغة متكاملة وإنما أقصد أنها لغة بمعنى Lingo تشمل المفردات الإنكليزية وتحتوي على مصطلحات وطرق تعبير خاصة يصعب على غيرهم من المتكلمين بالإنكليزية فهمها. والذين يدرسون الجاليات من الأمريكان يقضون فترة حتى يتمكنوا من فهم مرامي الكلمات وسياق المعاني. وبالطبع فإن هذه اللغة المحلية متأثرة باللغات الإسلامية واللغة العربية بالذات. والذي أريده هنا هو أن هناك تحققًا عميقًا للهوية الإسلامية عند الكثير رغم قلة البضاعة في العربية، وليس كل خلوٍ من العربية خلوًا من الإسلام، بل إن معاني الدين العامة يمكن أن تفهم بلغات أخرى (وقد سبق أن نوقش هذا في هذه الدورية في مقال بعنوان"العربية وعالمية الرسالة"للأستاذ رياض أدهمي) ولكن توازن هذه المعاني ودقتها وطيف الآفاق التي يمكن أن تأخذها وتشير إليها إنما هو مكنون في العربية ومصطلحاتها، وهذا هو بالضبط إصرارنا على تعليم اللغة العربية كلغة القرآن وليس كلغة محادثة محلية قومية أو إثنية.
وفي الختام فإنني أتمنى أن يزورنا صاحبنا العربي في هذه الأيام المقبلة ويسمع كلام ابنتي العربي قبل أن تمر بضع أسابيع وأشهر من معاشرة الأصدقاء غير العرب وينقلب لسانها مرة ثانية للإنكليزية.وقبل أن تطالبني بأن أطرد هؤلاء الأصدقاء وألعنهم، ألفت إليك النظر أنهم مسلمون… وطيبون.
يقشعر جلد المسلم وهو يسمع ما أصاب بيوت المسلمين إلا ما رحم ربي ويتقلب قلب المسلم للقدر إذا اشتد عليه غليانه.. كل ذلك وهو يفكر فيما أصاب هؤلاء.... إلى الله المشتكى.
فهذا السائق مع تلك الفتاة يذهب بها وإذا بك ترى وياليتك ما رأيت... السائق يضحك بصوت مرتفع والفتاة تتمايل... الموضوع ساخن بينهم حتى كادت سخونته تحرق قلب ذلك المسلم الذي رأى ذلك الموقف، فما أن يغيب عن ناظريك هذا المشهد النكد حتى ترى مشهدًا آخر يحرق ما تبقى... عندها وقف ذلك المسلم حائرًا... أنسته حيرته طريق بيته... وصارت السيارة تمشي كأنها بدون سائق... وذلك المسلم يفكر في هذا الزمن وهذه الغربة الشديدة التي يعيش فيها المسلم اليوم... وفكر المسلم كيف يكمل العفيف وكيف تكمل العفيفة ما تبقى من العمر في هذه الغربة... دون أن يتأثر العفاف الذي تبقى لهما.
فكر المسلم وفكر... كيف يثبت هذا العفاف أمام تلك القنوات... كيف يثبت أمام تلك المشاهد في الشارع وفي السوق... حتى العمل بات مكان دعاية مجانية لتلك القنوات السيئة فذلك يمدح البرنامج الفلاني... وذلك يحكي عن جمال تلك المفتونة... فيما يجد المسلم الأنين يئن بداخله... ففتش فإذا به أنين العفة في زمن الغربة... فهل يعتزل المسلم والمسلمة المجتمع؟ أم ماذا يفعل... وعندها ضغط ذلك المسلم على شريط قرآن كي يسمع شيئًا من كتاب الله لعله يذهب عنه بعض ما أصابه وإذا به يسمع الحل الرباني أمام هذه البلايا وكأنه يسمعها لأول مرة... يا سبحان الله هذه آية في كتاب الله أين كنت عنها... كيف غفلت عنها؟ فهدأ ذلك الأنين في قلبه... وصار يردد تلك الآية بصوت منخفض (ا لم احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) إنه التميز العظيم لكل مسلم ومسلمة. يوم يقول الفتى: أنا مسلم وتقول الفتاة: أنا مسلمة. هنا تظهر الحقيقة عند الاختبار.