أننا نقول بوجوب الخطبة باللغة العربية لاتباع السلف والخلف حيث لم يعهد منهم الخطبة بغير العربية ( [69] ) .
يناقش: أن السلف والخلف الذين ذكرتم إنما كانوا يخطبون باللغة العربية لأنهم كانوا يخطبون بأناس يعرفون العربية ، وهذا مما لا شك فيه أنه ينبغي الخطبة في مثل هذه الحالة باللغة العربية لعدم الحاجة للخطبة بغيرها.
الدليل الثالث:
أن الخطبة ذكر مفروض فيشترط فيها أن تكون باللغة العربية كتكبيرة الإحرام والتشهد ونحوها ( [70] ) .
يناقش: أنه لا يسلم لكم أنه يلزم أن تكون جميع الأذكار المفروضة باللغة العربية لأنه يلزم من هذا القول إثبات فرضية تعلم العربية على جميع المسلمين وهذا قول مرجوح لقول اللَّه تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فيالدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( [71] ) .
وبناء على هذا فإننا نقول بعدم وجوب تعلم العربية على جميع المسلمين فإذا قلنا بهذا القول فإننا نقول إنه يمكن أن تكون بعض الأذكار بغير العربية عند الحاجة لذلك ومنها الخطبة .
دليل القول الثالث:
أن المقصود من الخطبة الوعظ وهو حاصل بكل اللغات فتصح الخطبة بأي لغة كانت ( [72] ) .
يناقش: أن الأصل في الخطبة أن تكون باللغة العربية إذا كان المستمعون يفهمونها ويعرفونها ولا تصح بغيرها لفعل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده ، وأما إن كان المستمعون لا يفهمون ولا يعرفون العربية فإنه لا بأس من الخطبة بغيرها للحاجة لذلك .
الترجيح:
بعد النظر في الأقوال الواردة في هذه المسألة والاطلاع على أدلتها ومناقشة ما لم يستقيم من هذه الأدلة تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب- أن القول الراجح فيها هو القول الأول وهو أن الأصل في الخطبة أن تكون بالعربية ولا تصح بغيرها عند عدم الحاجة لذلك ، وتصح بغيرها عند الحاجة لذلك بشرط قراءة الآيات باللغة العربية ثم ترجمة معانيها بلغة الخطبة . وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولضعف أدلة الأقوال الأخرى وعدم سلامتها من المناقشة، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والإرشاد وهذا إذا كان بلغة لا يفهمها من ألقيت عليه فإنه يفوت المقصود منها وتكون عديمة الجدوى بخلاف ما إذا كانت بلغة يفهمها من ألقيت عليه فإنه يفهمها ويستفيد منها ويتعظ بها ، ثم إن كثير من المسلمين في العصر الحاضر لا يعرفون العربية وفي إلزامهم بتعلم العربية مشقة كبيرة عليهم قد لا يقدرون عليها وقد تكون سببًا في صدهم وأعراضهم عن الإسلام كما أنه لا يلزم من الإسلام أن يكون الإنسان متقنًا للغة العربية ، فلا يعقل بعد هذا أن يمنع إلقاء الخطبة بغير العربية وتفويت فوائدها المرجوة منها بسبب أمر ليس في مقدور المسلم العجمي تعلمه وتحصيله.
يمر على المغتربين في وقت غربتهم أيام عيد الفطر وعيد الأضحى وهي أيام شرع اللَّه فيها صلاة العيد وجعلها فيها من شعائر الإسلام الظاهرة التي ينبغي المحافظة عليها .
فما حكم صلاة العيد للمغتربين ؟
القول الأول: أنها فرض كفاية .
وهو قول عند المالكية ( [73] ) ، وقول عند الشافعية ( [74] ) ، ومذهب الحنابلة ( [75] ) .
القول الثاني: أنها سنة .
وهو رواية عند الحنفية ( [76] ) ، والمشهور عند المالكية ( [77] ) ، ومذهب الشافعية ( [78] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [79] ) .
القول الثالث: أنها واجبة .
وهو الرواية الصحيحة عند الحنفية ( [80] ) ، وقول عند المالكية ( [81] ) ، ورواية عند الحنابلة هي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ( [82] ) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدلوا بأدلة تدل على الوجوب في الجملة ومنها:
الدليل الأول:
قال اللَّه تعالى: { فصل لربك وانحر } ( [83] ) .
وجه الدلالة: أن هذه الآية أمرت بأداء صلاة العيد والأمر يقتضي الوجوب إلا بصارف يصرفه من الوجوب إلى الندب ولا صارف هنا .
الدليل الثاني:
عن أم عطية رضي اللَّه عنها قالت:"أمرنا -تعني النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور ، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين ( [84] ) ."
وجه الدلالة: أن الأمر يقتضي الوجوب إلا بصارف يصرفه من الوجوب إلى الندب ولا صارف هنا . وإذا كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أمر النساء بحضور صلاة العيد مع أنهن لسن من أهل الاجتماع لعدم مشروعية صلاة الجماعة لهن في المسجد. فإن الرجال من باب أولى فيكون شهود العيد في حقهم أوجب.
الدليل الثالث:
أن مواظبة ومداومة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عليها وعدم تخلفه عنها يدل على وجوبها ( [85] ) .
يناقش: أن الأصل في المداومة على الشيء إذا لم يكن فيه أمر الاستحباب ( [86] ) .
الدليل الرابع:
أن صلاة العيد من أعلام الدين وشعائره الظاهرة فكانت واجبةكالجمعة ( [87] ) .
يناقش: أن من أعلام الدين وشعائره ما ليس واجبًا على الأعيان بل هو واجب كفائي ، كالأذان والإقامة فليس كل ما كان من أعلام الدين وشعائره واجبًا على الأعيان .
الدليل الخامس: