فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 830

وهذا الحال الاضطراري يدخل في عموم قوله - تعالى:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا" [ النحل:106] قال ابن القيم مستدلًا بهذه الآية عند كلامه على تحريم الحيل (لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن بالتكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان) إعلام الموقعين (3/191) قال ابن حزم في المحلى (11/198) :

(وقد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله - تعالى - وعن إمام المسلمين وجماعتهم ويبين هذا حديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين فيما رواه الترمذي(1604) والنسائي (4780) وأبو داود (2645) من حديث جرير بن عبد الله البجلي ـ رضي الله عنه ـ وهو - عليه السلام - لا يبرأ إلا من كافر قال الله - تعالى -"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" [التوبة: 71] فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها من وجوب قتله متى قدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبرأ من مسلم وأما من فرّ إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعان الكفار عليهم ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره، وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازمًا على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم؛ لأن الوليد بن يزيد كان قد نذر دمه إن قدر عليه وكان هو الوالي بعد هشام فمن كان هكذا فهو معذور).

تقييم:

طباعة المقال إرسال العنوان لصديق

د. حمد بن إبراهيم الحيدري

السؤال

نحن نعيش في بلد النصارى, ونجد من يسألنا الصدقة عند مرورنا بالفقراء, وأحيانًا يسألوننا بالله. فهل يجوز أن نعطيهم صدقة أو مساعدة؟ وهل نؤجر على ذلك؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد قال الله تعالى:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة:8] .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"في كل كبد رطبة أجر"صحيح البخاري (2363) ، وصحيح مسلم (2244) .

وبناء على ذلك فتستحب الصدقة حتى على غير المسلمين، وقد يكون في ذلك تأليف لهم وترغيب في الإسلام، لكن لو كانوا يستعينون بذلك على أذى المسلمين فحينئذٍ لا تجوز الصدقة عليهم. والله تعالى أعلم.

تقييم:

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل.

الحمد لله والصلاة على رسول الله .. وبعد:

فإن دين الإسلام، دين الرحمة بالناس أجمعين"هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون" [سورة الجاثية 20] ."وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [سورة الأنبياء 107] وهو دين الخير للعالمين مؤمنهم وكافرهم، لا يجحد ذلك إلا من جهل الحقيقة"ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [سورة الروم 30] أو كان من المستكبرين"وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور" [سورة لقمان 32] .أما خيرية الإسلام للمسلمين فهي كما قال الأول:

فليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل

وأما خيريته لغير المسلمين، فلأنه حفظ حقوقهم، وصان كرامتهم وعاملهم بالحسنى"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". [ سورة العنكبوت 46 ] . ولم يتخلف هذا التعامل الراقي حتى في ساعة الانتصار، ونشوة الشعور بالعزة والغلبة .

وكانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرائه الذين يبعثهم على الجيوش والسرايا: اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" (1) ."

وأما خليفته الصديق رضي الله عنه فقد أوصى مبعوثه قائد جيش الشام يزيد بن أبي سفيان بقوله: إني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلًا، ولا تفرقنه ولا تغلل، ولا تجبن (2) . وهذا السمو في التعامل في ساعة الحرب، هو ما امتثله المسلمون في عصورهم المختلفة، وبالأخص في العصور الزاهية الأولى.

وهو ما اعترف به عقلاء ومنصفوا أعدائهم، قال"ول ديورانت": (لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزردشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الدولة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في البلاد في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم ... وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم) (3) .

وقال الفيلسوف المؤرخ الفرنسي"غوستاف لوبون": (ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب) (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت