وقال الخرقي رحمه الله:"ولا يتزوج في أرض العدو إلا أن تغلب عليه الشهوة ، فيتزوج مسلمة و يعزل عنها ولا يتزوج منهم ، ومن اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج ، وهو في أرضهم". وقال ابن قدامة معلقًا على ذلك:"يعني و الله أعلم من دخل أرض العدو بأمان ، فأما إن كان في جيش المسلمين فمباح له أن يتزوج ، وقد روي عن سعد بن أبي هلال أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج أبا بكر أسماء ابنة عميس وهم تحت الرايات ، أخرجه سعيد ، لأن الكفار لا يد لهم عليه ، فأشبه من في دار الإسلام .أما الأسير فظاهر كلام أحمد أنه لا يحل له التزوج مادام أسيرًا ، لأنه منعه من وطء امرأته إذا أسرت معه ، مع صحة نكاحهما، وهذا قول الزهري ، فإنه قال: لا يحل للأسير أن يتزوج مادام في أرض المشركين" (8) .
وقال ابن القيم رحمه الله:"وإنما الذي نص عليه أحمد ما رواه ابنه عبدالله ، قال: كره أن يتزوج الرجل في دار الحرب أو يتسرى من أجل ولده ، وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يتزوج ولا يتسرى الأسير في دار الحرب ، وإن خاف على نفسه لا يتزوج ، وقال في رواية حنبل: ولا يتزوج الأسير ولا يتسرى بمسلمة إلا أن يخاف على نفسه ، فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد .." (9) .
وبهذا يظهر أن مذهب الإمام أحمد أكثر صراحة في تحريم زواج المسلم بالكتابية بل لا يبيح له وطء أمته المسلمة أو امرأته في دار الحرب و يليه المذهب الحنفي في ذلك .
و الأسباب التي دعت بعض علماء المسلمين إلى القول بالتحريم أو الكراهة تتلخص في ثلاثة أمور رئيسية:
الأمر الأول: الخوف على ذرية المسلم من الكتابية الحربية من أن ينشأوا على دينها ، فيكون بذلك قد غرس لأعداء الإسلام غرسًا يكثر به سوادهم و يخسر ذلك الغرس المسلمون الذين هم أولى بتكثير سوادهم ، و قد علم أن حفظ النسل ضرورة من ضرورات الحياة ، والمقصد الأساس من حفظ النسل أن يكون النسل البشري محققًا لعبادة الله في الأرض
الأمر الثاني:الخوف من اختيار المسلم المقام بين ظهراني الكفرة الحربيين وفي ذلك عدة مفاسد .
المفسدة الأولى: مخالفة الأمر الإلهي بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ، وفي ذلك تعريض المسلم نفسه لعذاب الله وسخطه و إذلال نفسه لعدوه .
المفسدة الثانية: تكثير سواد الكافرين و تقليل عدد المسلمين و ذلك يسبب قوة الكافرين وإضعاف المسلمين .
المفسدة الثالثة: تعريض ذريته للكفر أو الاسترقاق ولو كانوا مسلمين ، ذلك أن امرأته قد يأسرها المسلمون وهي حامل فيكون ولدها رقيقًا .
هذا مع ما يتعرض له المسلم في بلاد الكفر من المحرمات التي قد لا يستطيع الإفلات منها ومشاهدة المنكرات التي لا يقدر على إنكارها ، بل قد يموت قلبه فيرضى بها لكثرتها ، وقد تمارس امرأته أنواعا ً منها ،وقد يميل مع طول الوقت إلى كثير من عاداتهم المخالفة للإسلام إن سلم من الارتداد عن دينه ، وهذا هو الأمر الثالث .
وبناء على ذلك فالذي يبدو رجحانه هو القول بتحريم زواج المسلم بالكتابية الحربية ، لأن تناول الشيء المباح إذا أدى إلى مفاسد تفوق مصلحته غلب جانب تلك المفاسد على مصلحته ، ومفاسد نكاح المسلم الكتابية الحربية تفوق المصالح المترتبة عليها كما هو واضح والله أعلم .
(1) التوبة: 29.
(2) الجامع لأحكام القرآن (3/69)
(3) أبو داود (3/105) ولفظه:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"قالوا: يا رسول الله لم ؟ قال:"لا تراءى ناراهما".
(4) المبسوط (5/50) وراجع مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/328) و كذا كتاب السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني (5/1838) .
(5) حاشية رد المحتار على الدر المختار (3/45) ، وصرح الدكتور وهبة الزحيلى في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته (7/145) أن الحنفية يحرمون الزواج بالحربية في دار الحرب .
(6) الشرح الصغير (2/420) .
(7) المنهاج مع حاشيته (3/187)
(8) المغني (9/292-293) .
(9) أحكام أهل الذمة (2/420)
د. عبد الله الأهدل 26/4/1423
زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر اليوم (أ)
توطئة:
لقد كانت الأرض في العصور الإسلامية السابقة تنقسم إلى بلاد إسلام تطبق فيها أحكام الله، وأهل الحلّ والعقد فيها هم المسلمون ، وترفع عليها راية الإسلام ، وتبعث منها كتائب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ، وبلاد كفر أهلها يحاربون المسلمين حربًا مباشرة ، ولا تخرجها عن كونها بلاد حرب المعاهدات المؤقتة التي تعقد بين المسلمين والكفار.