أما الآن فإن كثيرا من بلدان المسلمين التي كل سكانها مسلمون - ولو بالاسم - أو أغلبهم مسلمون ، أهل الحل والعقد فيها ليسوا بمسلمين بل هم كفار، يحاربون الإسلام وأهله أشد من الكفار الحربيين في الزمن الماضي ، ومثال ذلك الشعوب المسلمة التي يحكمها شيوعيون ملحدون لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا باليوم الآخر ولا بالوحي ، بل يعدون الإيمان بالغيب الذي جاء به الرسول ونزلت به الكتب خرافة يجب محاربتها والقضاء على كل من يعتقدها ، وكذلك العلمانيون الذين يرون أن قوانين البشر أنفع لحياة الناس من القرآن والسنة ، وقلما تخلو من هذين الصنفين بلاد من المسلمين - وإن كانوا في بعض الشعوب لا يجرؤن على الظهور ، لأن ظروفها غير مناسبة لظهورهم - فبماذا نحكم على هذه الشعوب التي يحكمها هؤلاء ؟ أهي بلاد إسلام نظرًا لأن كل سكانها منتسبون للإسلام أو أغلبهم ، وإن كان أهل الحل والعقد فيها كفرة يجاهرون بمعاداة الإسلام ، أم هي بلاد كفر نظرًا لكون الأحكام التي تنفذ فيها هي أحكام الكفر ، وأهل الحلّ والعقد فيها كفار؟ وتعريف علماء الإسلام لبلاد الإسلام وبلاد الكفر يرجح اعتبارها دار كفر وليست دار إسلام ، فقد قال علاء الدين الكاساني رحمة الله:"إن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها ... وإن دار الإسلام تصير دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها". (بدائع الصنائع9/4374)
وقد سألت من علماء هذا العصر رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية - سابقًا - الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله عن تعريف بلاد الإسلام وبلاد الكفر فأجاب بما يلي:"نفيدكم أن العبرة بمن كانت له الولاية والحَلّ والعقد والتصرف في البلد ، فإن كان ذلك للمسلمين فهي دولة إسلامية وإن وجد بها كفار ، وإن كان الحلّ والعقد والتصرف والولاية للكفار فتعتبر الدولة كافرة ، وإن كثر فيها المسلمون" (بعث به إليَّ في خطاب خاص برقم 422/1بتاريخ7/3/1401)
وقد ابتلى المسلمون بهذا الوضع الشاذ في كثير من بلدانهم ، ولو طبقنا تعريف علماء المسلمين لبلاد الكفر لما سلم منها إلا القليل وفي ذلك مخاطر عظيمة ، إذ ينبني عليه أن لا يتزوج المسلم في بلاده التي تلك صفتها بالمسلمة فضلًا عن الكتابية ، وإذا اضطر إلى ذلك فلا يقصد الولد ، لهذا لا أريد الخوض في هذا ، وعلى المسلمين أن يتقوا الله ما استطاعوا في بلدانهم وأن يصبروا على التمسك بدينهم وعلى تنشئة أولادهم عليه حسب قدرتهم ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ,ولندع بلدان المسلمين وننتقل إلى الكلام عن بلدان الكفر لنعرف كيف تغيرت أحوالها هي أيضًا ، لأنها المقصودة في هذا الفصل .
صفة بلاد الكفر في هذا الزمان
لقد كانت الخلائق في آخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال ابن القيم ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به ، ومسالم له آمن ، وخائف محارب (1) ، والمراد بالمسالمين له الآمنين الذين كانوا أهل ذمة ، وأما الأرض ،
فكانت قسمين: أرض الإسلام وهي التي يدين أهلها بالإسلام ، أو يخضعون لحكمه بأداء الجزية ، وأرض كفر وهم المحاربون للإسلام .
وهكذا استمرت الأرض في عهد أصحابه رضي الله عنهم ، إما بلاد إسلام و إما بلاد حرب ، والبلدان التي كانت تعقد هدنة مؤقتة مع المسلمين هي بلاد حرب ما لم يؤد أهلها الجزية ويخضعوا لحكم الإسلام .
أما الآن فإن بلدان الكفار إذا تأملت واقعها ، وجدتها تنقسم إلى أقسام: منها ما هي دار حرب ، لأنها معلنة الحرب على الشعوب الإسلامية كما هو الحال في أرض فلسطين التي احتلها اليهود و شردوا أهلها ولا يزالون يشردونهم ويقتلونهم .
والذي يبدو أن لا فرق بين دور الحرب في الماضي من حيث عدم جواز زواج المسلم بالحربية فيه ، لما مضى من الأدلة القاضية بذلك ، ولكن المسلمين لا زالوا كثرة في هذه الدار ، يصعب معه أن يطبق عليهم حكم دار الحرب فيمنعون من التزاوج فيما بينهم أو من قصد الولد ، لأن التزاوج وقصد الأولاد والإكثار من النسل قد يكون في صالح المسلمين ليستمر صراعهم لأعداء الله لإجلائهم عن بلدانهم ، ولو أوجبنا عليهم الهجرة من بلادهم بسبب أنها بلاد حرب إلى بلاد الإسلام لما وجدوا من يقبلهم مهاجرين في البلدان الإسلامية ، ثم إن في هجرتهم من بلادهم إلى غيرها فرصة لليهود ليستقلوا بها وضياعًا لتلك الأرض ، لهذا يبدو أن حكمهم في التزاوج فيما بينهم حكم المسلمين في بلاد الإسلام ، وحكم زواجهم بالكتابية حكم زواج المسلم بها في دار الحرب .
ومن تلك البلدان من يعلن أهلها الدعوة إلى السلم وعدم إرادة الحرب مع الشعوب الإسلامية وغيرها ، وهي ذات صفتين: صفة تبدو بها أنها ليست دار حرب ، وهي صفة المعاهدات والاتفاقات الدولية التي يترتب عليها تبادل السفراء والتبادل التجاري والاقتصادي و الصناعي والثقافي وما أشبهه ، فهي بهذا شبيهة ببلاد العهد في العصور الإسلامية السابقة إلا أن العهد في هذا العصر يتخذ صفة الدوام ، وليس على أسس إسلامية ، وغالب المعاهدات تكون المصالح فيها راجحة لبلدان الكفر ، ومن الأمثلة على هذا القسم أمريكا وبعض دول أوربا وغيرها كروسيا .