فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 830

فإن قال قائل: فلم يجفوني وأنا لهم حبيب وغمهم لفقدي إياهم إياي شديد؟ قيل: لأنك خالفتهم على ما هم عليه من حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها، ولتمكن الشهوات من قلوبهم ما يبالون ما نقص من دينك ودينهم إذا سلمت لهم بك دنياهم، فإن تابعتهم على ذلك كنت الحبيب القريب، وإن خالفتهم وسلكت طريق أهل الآخرة باستعمالك الحق جفا عليهم أمرك، فالأبوان متبرمان بفعالك، والزوجة بك متضجرة فهي تحب فراقك، والإخوان والقرابة قد زهدوا في لقائك.

فأنت بينهم مكروب محزون، فحينئذ نظرت إلى نفسك بعين الغربة فأنست بمن شاكلك من الغرباء، واستوحشت من الإخوان والأقرباء، فسلكت الطريق إلى الله الكريم وحدك، فإن صبرت على خشونة الطريق أيامًا يسيرة واحتملت الذل والمداراة مدة قصيرة، وزهدت في هذه الدار الحقيرة أعقبك الصبر أن ورد بك إلى دار العافية، أرضها طيبة ورياضها خضرة، وأشجارها مثمرة، وأنهارها عذبة..«.

(1) صحيح الجامع الصغير، رقم 1576.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 1273.

(3) توقف الألباني في تصحيحه وتضعيفه انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم1273.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم1619.

(5) انظر رواياته في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 204، 205.

(6) رواه البخاري في صحيحه.

(7) رواه البخاري في صحيحه.

(8) مدراج السالكين 3 / 194-201.

(9) رواه البخاري تعليقًا، والطبراني بإسناد صحيح.

(10) رواه الترمذي وحسنه.

(11) قال محقق كتاب الغرباء:إسناده صحيح، وروي بطرق كثيرة فيها ضعف.

نعماء محمد المجذوب

تداعيات موقف:

نزلنا من القطار في «سدني» ، واجتزنا حواجز عديدة، ثم سرنا في الطريق الطويل المؤدي إلى شاطئ البحر، لتقلنا سفينة إلى الغابة الشاسعة التي تضم في أرجائها أنواعًا شتى من الحيوان، بين الصخور، وفي الكهوف، والطرقات الملتوية في صعود إلى التلال، وهبوط نحو الأودية.

كانت الأشجار تزين جانبي الطريق، والطبيعة تنثر من أزهارها، وأريجها، وجمالها في كل ركن، والناس يتجهون نحو المرفأ في ازدحام شديد، ليزيلوا ما علق بهم من إرهاق العمل، في أحضان الغابات.

كنت في سعادة غامرة مع بعض أفراد أسرتي، وفي نفسي شره للاستمتاع بجمال المناظر الرائعة في «أستراليا» قبل أن أعود إلى وطني، فلفت بصري وسمعي الفرقة الموسيقية تسير ببطء، وتذرف أنغامًا حزينة في الأجواء، فتلقي ظلالًا من الوجوم والكآبة على الوجوه في صمت ثقيل فلا يسمع إلا وقع الخطى، على رغم بواعث البهجة والسرور.

الجرح العميق:

إنه اليوم السابع عشر من سبتمبر، والجرح العميق لم يزل ينزف منذ اليوم الحادي عشر من الشهر نفسه، لاحظت العيون ترمقنا بشذر، والجوانح تنطوي على غيظ يكاد يقفز من الصدور كالأسنة والسهام، وتود لو تلقي بنا في عرض البحر.

والحق أننا لم نحافظ على وصية جاليتنا العربية المسلمة في عدم الظهور في هذه الأيام العصيبة، فقد يسبب لنا ذلك التعرض للأذى من قبل الأستراليين الحاقدين على المسلمين الذين لا يزالون في قفص الاتهام، فخروجنا، والسير بجانبهم يشعرهم بالتحدي لهم، والشماتة بهم، لم نفكر سوى بالتنزه، ولملمة أحلى الذكريات والصور من «سدني» الجميلة.

تغافلنا عما تتعرض له المساجد من حرق وتحطيم، استدعى أهل الغيرة والمروءة من الشباب المسلم كي يبيتوا فيها لصد أي اعتداء عليها، ولا ما يتعرض له طلاب الجالية من رشق بالحجارة، وشتائم وهم في الحافلات التي تقلهم إلى المدارس، حتى الأستراليون الذين اعتنقوا الإسلام هم وأبناؤهم لم يسلموا من الأذى والإهانة بأساليب متنوعة، كما بدا ذلك في إهمالهم، وعدم التعامل معهم في المحلات التجارية، وفي مقر أعمالهم، ورميهم بالألفاظ المشينة الجارحة، والسخرية والاستهزاء بهم، وبخاصة المتحجبات من النساء.

تمثال الحرية:

استرعى انتباهي ونحن نشق الجموع «تمثال الحرية» القابع فوق قاعدة رخامية مرتفعة، يمثل امرأة تحمل في كف يدها الممتدة في الهواء مشعل الحرية، وفي الأسفل منه صندوق لجمع التبرعات. وقفت حياله لحظات أتأمل بإعجاب دقة النحت والتصوير، والفن الرائع البديع الذي يماثل الواقع، ولكن سرعان ما تملكتني الدهشة حين أعرض التمثال بوجهه عني واستدار نصف استدارة، صوبت بصري إلى القاعدة، فلم أجد ما يدل على شيء يحركه، استدرت مع استدارته، وكررت النظر والتدقيق، فوجئت بالعينين ترمشان، وقتئذ تأكدت بأنني أمام امرأة حقيقية، مموهة بلون الرخام من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، وتخايل في عينيها شحنة من الكرة ممزوجة بالأسى..قارنت بين تطلعاتها وتطلعات الناس، فوجدتها تنبع من إحساس واحد، هو الألم النفسي المكتوم، والرغبة الملحة في الانتقام منا، مما أصاب البرجين الشاهقين في «نيويورك» .

أخطأنا في الخروج:

بالفعل كانت مغامرة منا، إذ أخطأنا في الخروج في هذا الظرف القاهر، كان علينا أن نتريث، ونداري مشاعرهم كي لا يفسروا الأمر بما يحلو لهم ونحن بين ظهرانيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت