3-يجوز للأقليات المسلمة أن يقاتلوا مع القائد الكافر إذا كان يحترم المسلمين يعطيهم حقوقهم إذا خشي أن ينتصر عليه من يتوقع ظلمه لهم وهذا ما نفهمه من معاونة المسلمين للنجاشي، روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: فأقمنا عنده مع خير جار في خير دار فلم يلبث أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمنا حزنًا قط هو أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه ، فيأتي الملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه فجلعنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي،فخرج إليه سائرًا فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر لمن تكون؟ قال الزبير - وكان أحدثهم سنًا - أنا فنفخوا لهم قربة فجعلها في صدره فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة ، فهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه فجاءنا الزبير يليح لنا بردائه ويقول:ألا فابشروا فقد أظهر الله النجاشي ،قلت: فوالله ما علمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي ثم أقمنا عنده حتى خرج منا من خرج وأقام من أقام (11) .
ومن هذه القصة نرى بوضوح أن المسلمين كانوا يستنصرون الله للنجاشي، وأن الزبير حضر الوقعة مع النجاشي ضد خصمه، مخافة أن يكون مغلوبًا فيأتي بدله غيره ولا يعرف من حقوقهم ما يعرفه, ولا يهمنا هنا إذا كان النجاشي مسلمًا، في ذلك الوقت أم لا، إنما يهمنا أن جيشه كان غير مسلم ، وكان يطبق عليهم نظامًا غير إسلامي.
ومما يستدل به في هذا المقام قاعدة تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
يقول ابن تيمية:"إن الشريعة جاءت بتحصيل المصلحة وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما (12) "
-وقد أشار ابن عطية إلى ضرورة أخرى وهي إذا خاف المسلمون عدوًا كبيرًا يجوز لهم معاونة العدو الصغير للقضاء على العدو الكبير ودفع أذاه (13) .
قال ابن عطية في بيان فرح المسلمين لانتصار الروم على الفرس:"ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤونة ومتى غلب الأكثر غلب الخوف منه فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم إرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه" (14) .
ومما سبق نرى أن المسلمين الذين يعيشون أقلية في دولة غير إسلامية يجوز لهم أن يشاركوا في الحرب مع الكفار ضد أعدائهم من الكفار إذا كان لهم في ذلك مصلحة كأن يحصلوا على حقوقهم وتتحسن أوضاعهم وأن لا يترتب على ذلك ضرر على المسلمين ، أو إذا كانوا مكرهين على ذلك . أما في غير ذلك فلا يجوز لهم أن يشاركوهم في قتالهم ضد كفار آخرين والله أعلم,
أما مقاتلة المسلم مع الكافرين ضد المسلمين فهو ما سنتحدث عنه
-إن شاء الله تعالى - في الحلقة القادمة
(1) - انظر:محمد أحمد السرخسي ، شرح كتاب السير الكبير ، تحقيق د. صلاح الدين المنجد ، مكتبة ابن تيمية ، القاهرة ، 4/1515 المدونة الكبرى ، 1/518 ، كشاف القناع ، 3/ 63ن والمبسوط ،10/97-98.
(2) شرح السير الكبير4/1515.
(2) كشاف القناع 3/63.
(4) المدونة الكبرى 1/518.
(5) المبسوط ، 10/97 ، ومحمد عثمان شبير ، الاستعانة بغير المسلمين في الجهاد الإسلامي ، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية ، العدد السابع ، 1978 ، ص 305.
(6) انظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية ، 3/1636. (7) شرح السير الكبير، 4/1525.
(8) انظر: صفحة 114، من هذا البحث
(9) شرح السير الكبير ، 4/1516-1517.
(10) المرجع السابق ، 4/1518.
(11) البداية والنهاية ، 3/ 123، الطبعة الأولى ، 1992 ، دار الحديث ، القاهرة ، أبو الحسن علي أبو الكريم ابن الأثير ، الكامل في التاريخ تحقيق: أبو الفداء عبد الله القاضي ، الطبعة الأولى ، دار الكتب العملية ، بيروت 1987،1/600.
(12) مجموع الفتاوى 20/48.
(13) أبو محمد عبد الحق بن عطية ، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، تحقيق وتعليق: عبد بن إبراهيم الأنصاري ، والسيد عبد العال السيد إبراهيم ، الطبعة الأولى ، مؤسسة دار العلوم ، قطر ، 1985، 11/425.
(14) أبو محمد عبد الحق بن عطية ، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، تحقيق وتعليق: عبد بن إبراهيم الأنصاري ، والسيد عبد العال اليد إبراهيم ، الطبعة الأولى ، مؤسسة دار العلوم ، قطر ، 1985، 11/425.
لا يجوز للمسلم أن يقاتل مع الكفار إخوانه المسلمين في أي حال بل هو من أكبر الكبائر وأفظع الجرائم للأدلة التالية:
1-قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) [سورة الإسراء: 33] .