وهو فقه لا يقف عند حد تزكية الفرد في خوافي نفسه وظواهر أعماله بأحكام الشريعة ليظفر بخلاصه الفردي، وإنما يتخذ من ذلك منطلقا لتزكية الجماعة المسلمة والجماعة الإنسانية في حياتها المشتركة لتكون مهدية فيها بحكم الشريعة، فتجري على التعاون على البر والتقوى، وتنأى عن الإثم والعدوان، وتنتهي إلى الفلاح الجماعي في إثمار الحياة بالتعمير في الأرض، وإلى الخلاص الجماعي من شرور الدنيا وحساب الآخرة.
وهذا التوجيه إلى فقه جماعي يستلزم في التأصيل لفقه الأقليات المسلمة بأوربا ما يستلزمه التأصيل للفقه العام مع زيادة عليه؛ لأن هذه الأقليات تعيش في المناخ الاجتماعي الأوربي الذي تطورت فيه بأقدار كبيرة مظاهر التعاون الجماعي، وبنيت فيه القوانين على ذلك التعاون، كما يبدو إداريا في مظهر المؤسسات الجماعية التي تدير الحياة الاجتماعية الأوربية برمتها، وكما يبدو إنسانيا في تحقيق التكافل بما يحقق الكفاية في إقامة الحياة لكل المنخرطين في المجتمع الأوربي، فإذا لم يكن الفقه المبتغى منه معالجة حياة المسلمين بالمجتمع الأوربي فقها جماعيا يشرع للإدارة المؤسسية، كما يشرع للتكافل المادي والمعنوي بحيث يكافئ في بعده الجماعي جماعية القانون الوضعي أو يفوقها ضعف في إدارة حياة المسلمين من جهة، وضعف في تقديم أنموذج حضاري إسلامي من جهة أخرى، فقصر إذن عن تحقيق حفظ الدين في حياة المسلمين، فضلا عن تمكين الإسلام ونشره بالديار الأوربية.
إن التأصيل لقواعد فقه الأقليات الذي نحن بصدد الحديث فيه إذا ما توجه بهذه الموجهات الخمسة التي نعدها من أهم موجهاته المنهجية، فإننا نحسب أنه تنشأ منه قواعد أصولية فقهية تشكل منهجا في النظر الفقهي بخصوص الوجود الإسلامي بأوربا من شأنه أن يثمر فقها للأقليات يثرى في نطاق النظر الفقهي العام بخصوصيات كفيلة بأن تحقق قدرا كبيرا من النفع بالديار الأوربية.
إن الموجه الأول يؤسس لما به حفظ الدين في حياة الأقليات في مناخ يغري بانحلاله. والموجه الثاني يؤسس للانطلاق من الفقه الواقعي فيكون الاجتهاد مبنيا على علم بالموضوع المبتغى علاجه. والموجه الثالث ينتج فقها دعويا ينتقل بحفظ التدين في حياة المسلمين إلى بسط الدين لينبسط بدائرته إلى غير المسلمين فيقفوا على حقيقته. والموجه الرابع يثمر قواعد أصولية ينشأ منها فقه حضاري يقدم من حياة المسلمين أنموذجا حيا للإسلام الحضاري الشامل في الممارسة الفردية والاجتماعية والكونية يكافئ الأنموذج الحضاري الغالب اليوم. والموجه الخامس يثمر قواعد ينشأ منها فقه جماعي ينشد فلاح الجماعة الإسلامية والإنسانية من خلال فلاح الفرد بما يشرع من الإدارة الجماعية ومن التكافل الاجتماعي، كما ينشد الخلاص الجماعي لنوع الإنسان من خلال الخلاص الفردي، فكيف يمكن لهذه الموجهات المبدئية العامة أن تؤسس قواعد أصولية تتضمن من المواصفات المنهجية ما تثمر به فقها يمكن من التعريف بالدين في البلاد الأوربية
إن المنهج الأصولي الذي تضبط قواعده طرق الاستنباط للأحكام الشرعية هو -بفروعه المختلفة- متمثل بالأخص في أصول الفقه والقواعد الفقهية ومقاصد الشريعة، تراكم فيه عبر تطوره وتوسعه من الأصول والضوابط والقواعد المنهجية التي توجه الاستنباط الشرعي تراث في هذا الشأن أصبح يغطي كل مجالات النظر الفقهي دون استثناء، فما من فقيه رام استنباط حكم شرعي في أي مجال من مجالات الحياة إلا وجد من الأصول والقواعد المنهجية الفقهية ما يساعده ويوجهه في استنباط ذلك الحكم من مدركه النصي أو الاجتهادي.
وعلى هذا الاعتبار فإن ما قدمناه آنفا من موجهات أصولية منهجية حسبنا أنها تؤسس لقواعد تأصيلية لفقه الأقليات المسلمة بالبلاد الأوربية لا يقصد منه تأسيس اختراعي لقواعد جديدة تُستحدث به استحداثا بعد أن لم تكن موجودة في المدونة التراثية لعلم أصول الفقه بفروعه المختلفة بقدر ما يقصد منه تأسيس يُستثمر فيه ما جاء في تلك المدونة من ثراء في قواعدها وضوابطها، لتُستخلص جملةٌ منها تؤلف في بناء جديد، وتوجه توجيها جديدا، بحيث يتكون منها منهج أصولي متكامل يؤصل لفقه الأقليات، ويوجهه ليثمر ثماره في التعريف بالإسلام كما سبق بيانه.
أ ـ التكييف الأصولي لقواعد فقه الأقليات: