فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 830

من المعلوم أن القواعد الأصولية الكثيرة التي اشتملت عليها فروع علم الأصول لئن كانت تغطي بتنوعها كل مجالات الاستنباط الفقهي إلا أنها مع ذلك لم تكن على سواء في طبيعتها من حيث الشمول والجزئية؛ إذ منها ما هو ذو طابع شمولي يمكن أن تُستخدم به في كل نظر فقهي في أي مجال من مجالات الحياة، ومنها ما هو دون ذلك في الشمول، فيستخدم بحسب طبيعته في بعض مجالات النظر الفقهي أكثر مما يستخدم في البعض الآخر. وبالإضافة إلى هذا الفارق المرشح للتفاوت في استخدام تلك القواعد من تلقاء الفارق في طبيعتها فإن بعضا منها كان أوفر حظا في الاستخدام الفعلي من بعض، وذلك تبعا للتفاوت في حجم الاهتمام الذي وقع به تناول أوجه الحياة بالنظر الاجتهادي الفقهي لأسباب راجعة إلى ظروف وملابسات النظر الفقهي نفسه، لا إلى تفاوت طبيعة القواعد في ذاتها، وذلك على سبيل المثال على نحو ما نرى من تفاوت في حجم الاهتمام بالاجتهاد الفقهي بين مجال العبادات والأنكحة والبيوع من جهة، وبين مجال السياسة الشرعية وأوضاع الأقليات المسلمة من جهة أخرى.

وهذا التفاوت في الاستخدام للقواعد الأصولية منهجا للاجتهاد الفقهي -بقطع النظر عن أسبابه- أفضى إلى تفاوت بينها في النضج باعتبارها آلات منهجية للاجتهاد، وذلك سواء من حيث صياغتها وتحريرها، أو من حيث تفريعها وترتيبها، أو من حيث صناعتها المنهجية، كما أفضى أيضا إلى تفاوت بينها في درجة حضورها في الذهنية الفقهية الاجتهادية، وفي مقدار تأثيرها فيها وأثرها في نتائجها من الأحكام تبعا لذلك، كما هو ملحوظ -على سبيل المثال- من تفاوت في كل ذلك بين قواعد الدلالات وقواعد القياس وقواعد التحوط من جهة، وبين قواعد مآلات الأفعال وقواعد الموازنات والقواعد التي تجوز في بعض الحالات ما لا تجوزه في بعض من جهة أخرى، وكان من نتيجة ذلك أن بعضا من القواعد الفقهية الاجتهادية لئن كان مدرجا ضمن المدونة الأصولية ذكرا وعدا وربما محاورة ودرسا، إلا أنه بقي مغمورا في الاستخدام الاجتهادي، وضعيف الأثر في المدونة الفقهية، كما أنه بقي تبعا لذلك يختزن طاقات اجتهادية لم يكتمل الكشف عنها، أو لم يكتمل نضجها بالتقرير والتحرير والترتيب، وتلك سنة جارية، فالآلات -على اختلاف أجناسها- تتطور وتنضج وتزكو ثمرتها بالاستعمال، وتؤول إلى خلاف ذلك بالإهمال.

ومن القواعد الأصولية التي اشتملت عليها مدونة أصول الفقه قواعد ذات فوائد اجتهادية كبيرة في النظر الفقهي المتعلق بأحوال الأقليات المسلمة وأوضاعها، سواء كان ذلك بصفة خاصة تتمحض بها على قدر كبير للإفادة في هذا المجال الفقهي، أو كان بصفة عامة تشترك بها في الإفادة الاجتهادية مع مجالات أخرى من مجالات النظر الفقهي. ولكن لما كانت أحوال الأقليات المسلمة وأوضاعها لم تحظ من الاهتمام بالنظر الفقهي الاجتهادي إلا بالقدر القليل بالنسبة لسائر مجالات الفقه العام للأسباب التي ذكرناها آنفا، فإن تلك القواعد الأصولية لم يكن استخدامها في الاجتهاد الفقهي بصفة عامة، وفي الاجتهاد لجهة فقه الأقليات بصفة خاصة إلا استخداما محدودا، فظلت لذلك السبب قواعد مغمورة، ضعيفة في أثرها الفقهي، غير نضيجة التقرير والتحرير والترتيب، وذلك بالرغم من أنها تنطوي على طاقة منهجية اجتهادية كبيرة في مجال فقه الأقليات على وجه الخصوص.

وما نطرحه في هذه الورقة من فكرة التأسيس لقواعد أصولية لفقه الأقليات إنما نعني به أول ما نعني أن يقع الاتجاه البحثي على تلك القواعد الأصولية التي من شأنها أن تفيد إفادة كبيرة في فقه الأقليات، فتؤخذ بعناية دراسية خاصة، واهتمام بحثي مستقل، وتعالج بالنظر المنهجي وفق الموجهات الأصولية الأربعة التي شرحناها آنفا، لينشأ من ذلك فرع متميز من علم الأصول، أو باب مستقل من أبوابه، لئن كان يشترك في الأسس العامة مع سائر فروع هذا العلم وأبوابه إلا أنه يختص بخصوصية التوجه لخدمة فقه الأقليات وتطويره وإنضاجه ليبلغ هدفه المرتجى منه، وما تقتضيه تلك الخصوصية من مقتضيات التوجيه والتكيف والترتيب. وإن هذا التوجه بالبحث الأصولي المختص بمجال فقه الأقليات المسلمة لكفيل -على ما نحسب- بأن يثمر في ذلك الفقه من الحكمة الاجتهادية الموفية بالتمكين للدين ما لا يتم لو ترك الأمر لأنظار فقهية في مجال الأقليات تجري على القواعد الأصولية العامة كما هي عليه في مدونة علم الأصول في غير تميز وتوجيه خاص.

ويمكن أن تتم تلك المعالجة الأصولية للقواعد المتعلقة بفقه الأقليات بوجوه متعددة. منها أن يجمع منها ما هو شديد الصلة في مقاصده بأحوال الأقليات المسلمة وأوضاعهم، وما هو بين الإفادة في المعالجة الشرعية لتلك الأحوال، ثم يرتب في نسق متكامل ينظمه منهجيا الغرض المشترك والوجهة الجامعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت