فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 830

ومنها أن تشرح تلك القواعد شرحا يكشف عما تختزنه من إمكانيات اجتهادية في الاستنباط الفقهي، ومن مقاصد وحكم تنطوي عليها تلك الإمكانيات، ما كان من ذلك معلوما متداولا وما قد يكون منه غير معلوم ولا متداول. ومنها أن تكيف تلك القواعد في صياغتها وفي ترتيبها وفي شرح حكمها وارتياد أبعادها بما تكون به مهيأة للإفادة في فقه الأقليات، وأن توجه في كل ذلك توجيها يخدم ذلك الغرض بما يضرب لها من الأمثلة التطبيقية الموضحة لمعانيها والشارحة لمغازيها، وبما يُكشف من آثار لمقاصدها متعلقة على وجه الخصوص بأحوال الأقليات وأوضاعهم.

ويمكن أن يكون من بين تلك الوجوه أيضا أن يُستروح من مجموع القواعد الأصولية المتداولة على وجه العموم ومن بعضها على وجه الخصوص بعض الحكم والأسرار التشريعية مما هو مصرح به في صياغتها وشروحها أو مضمن في مقاصدها وروحها العامة لتصاغ منه قواعد وضوابط خاصة بمعالجة أحوال الأقليات المسلمة فيما يشبه التوليد منها أو التفريع عليها أو التطوير لها. ومن كل تلك المعالجة بوجوهها المختلفة يتكون كيان معرفي متجانس منهجيا موحد غائيا يمكن أن يسمى على سبيل المثال بكيان"القواعد الأصولية لفقه الأقليات"أو ما يشبه ذلك من الأسماء.

ب ـ نماذج من قواعد فقه الأقليات:

إذا كان هذا المقام ليس مقام محاولة تطبيقية لنظم ذلك الكيان في أبوابه ومحتوياته ومنهج بنائه على المقصد الذي بيناه، فإننا نورد تاليا بعض النماذج من القواعد الأصولية التي يمكن أن تدرج ضمن ما اقترحنا من كيان أصولي لقواعد فقه الأقليات، اقتصارا على ذكر عناوينها مما هو متداول في الأصول الفقهية العامة، أو مما يمكن أن يولد من ذلك المعلوم المتداول من الفروع، مع بيان بعض الوجوه التي تبرر اختيارها لتدرج ضمن ذلك الكيان، وتبرر انتظامها في مقاصده وأهدافه.

أولا ـ قاعدة مآلات الأفعال:

هي قاعدة أصولية في استنباط الأحكام الشرعية متداولة في مدونة أصول الفقه، ولها بعض الأثر في الاجتهاد الفقهي، وإن يكن على ما نحسب ليس على مقدار حجم أهميتها. وتقريرها -في الجملة- أن الأحكام الشرعية تبنى في صيغتها النظرية المجردة أمرا ونهيا على اعتبار ما تؤدي إليه مناطاتها من الأفعال باعتبار أجناسها المجردة من مصلحة أو مفسدة، ولكن تلك الأفعال في حال تشخصها العيني قد يطرأ عليها من الملابسات ما يجعل بعض أعيانها تؤول إلى عكس ما قُدر نظريا أنه تؤول إليه أجناسها، فإذا ما قدر باعتبار جنسه أنه يحقق مصلحة فوضع له حكم الأمر أصبح لتلك الملابسات يؤول باعتبار عينه إلى تحقيق مفسدة، والعكس صحيح، وحينئذ فإن الفقيه المجتهد يعدل فيه بالنظر الاجتهادي عن حكم الأمر إلى حكم النهي، أو يعدل عن حكم النهي إلى حكم الأمر اعتبارا لذلك المآل الذي غلب على ظنه أنه يؤول إليه في الواقع.

ولهذه القاعدة الأصولية مجال استعمال واسع في المعالجة الفقهية لأحوال الأقليات المسلمة بالبلاد الأوربية؛ ذلك لأن أحكام الشريعة في مجال التعامل الاجتماعي بمعناه العام الذي تتشابك فيه العلاقات بين الناس جاءت في عمومها أحكاما تعالج أوضاع تلك العلاقات على اعتبار أنها علاقات يحكمها سلطان الدين في نطاق الأمة المسلمة فيما بين بعض أفرادها وفئاتها وبعض، أو في نطاق علاقتها كأمة مسلمة بشعوب وأمم ودول غير مسلمة، وكانت تلك المعالجة الشرعية مبنية على وضوح في مآلات الأفعال المحكوم عليها، إذ مسالكها بينة في ظل وضع يحتكم في عمومه لسلطان الدين.

ولكن كثيرا من تلك الأحكام حينما تطبق في أوضاع الأقلية المسلمة التي تعيش في مجتمع لا يحكمه سلطان الشرع، وإنما يحكمه سلطان قانون وضعي وضعه وينفذه غير المسلمين عليهم وعلى غيرهم، فإنها تؤول -عند التطبيق الواقعي- إلى عكس مقصدها، فإذا ما شُرع للمصلحة يؤول تطبيقه في هذا الوضع إلى مفسدة والعكس صحيح، وهو ما يدعو إلى أن تستخدم هذه القاعدة، قاعدة مآلات الأفعال، استخداما واسعا في الاجتهاد الفقهي الذي يعالج أوضاع الأقليات المسلمة، وأن توجه بمعالجة أصولية لتكون إحدى القواعد الأصولية في الاستنباط الفقهي المتعلق بتلك الأوضاع.

ثانيا ـ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:

هي قاعدة أصولية واسعة التداول في النظر الفقهي، بالغة الأثر فيه، وتقريرها في الجملة أن الحكم الشرعي إذا أدى تطبيقه إلى إهدار المصالح الضرورية للإنسان التي تحفظ له ما به قوام حياته المادية والمعنوية، فإن النظر الفقهي يعدل عن الحكم بالحظر إلى الحكم بالإباحة بسبب تلك الضرورة، وقد ألحقت بالضرورة في هذا الشأن لإباحة المحظور الحاجةُ الشديدة القريبة من الضرورة، ولهذه القاعدة تطبيقات مشهورة في عموم الفقه الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت