ولا يُشكل على ما تقرر أن الدين قد اكتمل, فإن فقه المرحلة من كمال الدين وتمام النعمة.
الكلمة لمن:
إن المرونة التي منحها الشارع الحكيم للداعية عند التحرك الميداني ليست مرسلة لكل من آنس من نفسه اشتغالًا بالدعوة إلى الله فالأمر بالغ الخطورة, حيث إن فيه موازنة وفقه,وفيه حلال وحرام وليس حكمًا واحدًا على حال ثابتة, فالكلمة فيه لأهل العلم المدركين طبيعة التحرك الميداني .
وأخيرًا:
وأنت في أرض الغربة اعلم أنه قد سبقك إلى الميدان كثير من الدعاة والمصلحين أسسوا المراكز الإسلامية وقعّدوا للعمل الدعوي, منهم من هو من أهل فقه المرحلة فاجتهد أن تبني فوق بناء من سبق.
أسأل الله أن يلهمنا جميعًا الرشد والسداد
والله يرعانا ويرعاك
وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى .
(1) -صحيح مسلم كتاب الحج باب 47/حديث رقم 283
(2) - أحمد حديث 1969وأبو داود كتاب الحدود 2/441 والترمذي حديث رقم 1450والحديث وإن كان فيه مقال فإن إجماع الصحابة على ذلك يقويه وقد نقل إجماعهم ابن قدامة في المغني 13/173
(3) - عبد الرزاق في المصنف 5/197
(4) - الطبراني6/109
(5) - البخاري كتاب المغازي /باب قتل محمد بن مسلمة ,ومسلم كتاب الجهاد والسير باب قتل كعب بن الاشرف حديث رقم1801
(6) - انظر فتح الباري 7/338
(7) - راجع شرح الشيخ أبن عثيمين-رحمه الله-لصحيح مسلم في كتاب الجهاد والسير/باب قتل كعب بن الاشرف
(8) - البخاري/كتاب المغازي-باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة حيث رقم42743
(9) - عدا تلك المذاهب الباطنية التي تعد طابورًا خامسًا لأعداء الله, كالقاديانية والبهائية ونحوها .
(10) - الآيات 1-5 من سورة الروم .
خير الدين مبارك 17/2/1423
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد:
فقد اضطر المسلمون في العقود الماضية إلى السفر إلى بلاد الكفار والإقامة فيها لأسباب كثيرة يرجع معظمها إلى ما تعيشه بلاد المسلمين من بعد عن الدين وضعف اقتصادي وتخبط في السياسة وأحيانا أخرى -وهي قاصمة الظهر - ما يبتلى به المسلمون من فتن وحروب داخلية واضطهاد من حكومات علمانية مستبدة - و الله المستعان - ولهذا كله وجب تجلية حكم السفر والإقامة في ديار الكفر ، وننبه إلى أنه ليس المقصود هنا الكلام في كل جزئيات هذا الموضوع وإنما المراد وضع قواعد وأطر يبني عليها المسلم أحكام هذه المسألة . والكلام في هذا المقام في مسألتين:
الأولى: السفر إلى بلاد الكفار .
الثانية: الإقامة في بلاد الكفار .
المسألة الأولى: حكم السفر إلى بلاد الكفار .
السفر إلى بلاد الكفار جائز بشروط:-
1-أن يكون السفر إما لغرض مشروع أو مباح ( شرح ثلاثة الأصول لابن عثيمين 131)
مثال المشروع: الدعوة إلى الله وتعليم المسلمين هناك .
مثال المباح: التجارة والعلاج ونحو ذلك .
2-القدرة على إظهار الدين وعدم موالاة المشركين .فقد أجمع المسلمون على أن من لم يستطع إظهار دينه هناك حرم عليه السفر ] تفسير المنار ( 3/281) ( ولا فرق في ذلك بين المدة الطويلة والقصيرة .]مجلة البحوث العدد(25) ص 210)
3-أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات ( شرح ثلاثة الأصول لابن عثيمين 131 ) .
المسألة الثانية: الإقامة في بلاد الكفار .
و هذه أخطر من سابقتها و أعظم تأثيرا في إفساد دين المسلم وعقيدته وسلوكه ،كما أن نشأة أهله وأبنائه بين الكفار مما يدفعهم إلى تقليدهم والتأثر بعاداتهم وأخلاقهم ، الأمر الذي يثمر موالاتهم ومودتهم .
وهذه المسألة على أقسام:
الأول: المضطر إلى الإقامة فيها كالمضطهدين من المسلمين في ديارهم الممنوعين من إظهار دينهم فيها ولا يستطيعون حماية أعراضهم وأموالهم والمحافظة على أديانهم فيها ، فهؤلاء يجوز لهم الإقامة في ديار الكفر إذا لم يجدوا في بلاد المسلمين مأوى لهم وكانوا يستطيعون إظهار دينهم وممارسة شعائر الإسلام بحرية . (الأحكام السياسية للأقليات المسلمة ص 69 ) .
الثاني: من ليس مضطرا للإقامة في ديار الكفار ولكنه يستطيع إظهار دينه ولا يجد معارضة لذلك ، فهذا جمهور العلماء على أنه يجوز له البقاء فيها مادام يستطيع إظهار دينه .
الثالث: من تكون إقامته في بلاد الكفار فيها مصلحة للمسلمين كتعليمهم أمور دينهم أو يكون له مدخل في تحصيل مصالح للمسلمين أو دفع الشر عنهم فهذا إقامته هناك مستحبة على أقل الأحوال .
الرابع: من لايكون قادرا على إظهار شعائر دينه فهذا يحرم عليه البقاء فيها بالإجماع كما سبق .
•مسألة: هل يجب على من أسلم من الكفار أن يهاجر إلى بلاد الإسلام ؟ في هذا تفصيل على النحو الآتي: